كلمة "الفصاحة" أو "البيان" لا تستعمل كثيراً اليوم، بمعنى تلك الممارسة اللغوية المتميزة كتابة أو شفاهاً، لكن خصوصاً شفاهاً, تلك المهارة في استعمال الكلمات التي قد تأتي في جزء منها من موهبة ذاتية, لكن أيضاً مع قدر من التطوير والتهذيب الذي يجعل "الفصيح" أو "البليغ" مالكاً شيئاً لا يمتلكه الآخرون. مما يخطر على البال فوراً عند الحديث عن الفصاحة فن الخطابة, وأيضاً قوة الذاكرة. وقد برزت العلاقة بين الاثنين في تلك الدراسة اللامعة لفن التذكر التي قدمتها الراحلة فرانسيس ييتس, كما أبرزت تلك الدراسة تلاشي هذه المهارة إلى حد الانقراض تقريباً, أو على الأقل إنها لم تعد مادة للــدرس. وقد تساءلت أحياناً كثيرة عمّا إذا كانت هناك علاقـــة ضمنية بين شغفي بـ"الفصاحة" وتأثري العميق بالفيلسوف الإيطالي من القرن الثامن عشر جيامباتيستا فوكو, الذي عمل في جامعة نابولي أستاذاً لعلم البلاغة, مختصاً منه بمادة "الفـصاحة".

عندما يقرأ المرء كتابات فوكو المبكرة اليوم - وقد تبدو إلى حد ما مضحكة في بدائيتها، قبل إصدار مؤلفه "العلم الجديد" في العام 1725 - يلاحظ أن غالبيتها دراسات فيلولوجية وتاريخية تتناول كيفية استعمال الأقدمين اللغة في أشكال قابلة للتفصيل والتدقيق. وكانت الدراسات الإنسانوية للغة، لأجيال بعد أجيال، تتطلب معرفة بالبلاغة وعلم البديع بكل عناصره في التشبيه والمجاز وغيرهما, وبقيت تدرس إلى ما قبل ثلاثة أو أربعة عقود في مادة الإنشاء في الكليات أو حتى الثانويات, إضافة إلى المناهج التي سعت إلى تعليم الطلبة كيفية قراءة الأدب وتذوقه بحسب استخدامه لتلك الأشكال البلاغية, التي كان لكل منها اسمه الخاص واستعمالاته التي نشأت مع الحاجة إلى الخطابة من النوع الذي مارسه فوكو ودرسه وقلّده. ولا شك في أن استعراض المهارة وتفرد الأداء الكلاميين جزء لا يتجزأ من الفصاحة, على الرغم من تحذير علماء البديع, من بينهم فوكو, من التحذلق والفخامة الفارغة التي لا تخدم إلا ذاتها, أي استعمال المهارة اللغوية للتسلط على المستمع, وهو بالتأكيد ليس من الفصاحة الحقيقية في شيء. وفي سيرته الذاتية يقول فوكو عن أفكاره حول الفصاحة:

"اهتم فوكو أشد الاهتمام في تعليمه موضوعه بتقدم الشباب وفتح أعينهم وتجنيبهم الانخداع بالمعلمين المزيفين, ولم يكترث بعداء المتحذلقين. ولم يبحث أبداً في القضايا التي تخص الفصاحة إلا متعلقة بالحكمة، بل كان يقول إن الفصاحة ليست سوى الحكمة عندما تتكلم, وأن مهمة كرسيّه (أي كرسي البلاغة في الجامعة) هي توجيه العقول وإيصالها إلى الشمولية, وأن غيره مهتمون بهذا الجزء أو ذاك من المعرفة, لكن مهمته تعليمها ككل متكامل يتناسق فيه كل جزء مع الأجزاء الأخرى, ويأخذ معناه منها. ومهما يكن الموضوع فهو يبين في محاضراته كيف أن الفصاحة تحييها روح مفردة تستمد الحياة من كل العلوم التي لها أية علاقة به". (ص 198 - 199)

هذا المنظور العضوي للفصاحة يستبق اهتمام الرومانسيين بالشكل الشعري, موضوع الكثير من كتابات كوليردج, عن دور المخيلة, إضافة إلى اهتمامات مماثلة من معاصريه الألمان مثل الأخوين شليغل. لكن اهتمام فوكو كان تاريخياً إلى حد كبير, أو على الأصح هو تاريخي ومعاصر في الوقت ذاته. وأعتقد أن ما مكّنه من ذلك كان اعتماده على معرفة طلبته بلغة قديمة غير محلية, أي اللاتينية. وربما كان من بين أسباب فقداننا القدرة على فهم "الفصاحة" وتذوقها، وكم تبدو موضة قديمة اليوم, هو التوقف عن تدريس اللاتينية في معاهدنا أو اعتبارها شرطاً ضرورياً لتعليم جامعي متكامل. من هنا لا أحد يحاول حتى تقليد تلك النبرة اللاتينية الفخمة التي نجدها عند الدكتور جونسن أو بيرك, إلا ربما على سبيل التقليد الكاريكاتوري الهازل. والأرجح أن هذا هو السبب في التركيز بدل ذلك على التواصل والإقناع الفوري والقدرة على "تسويق" الأفكار, وأيضاً السبب في أن أسلوب خطباء الجنوب الأميركي مثل باربرا جوردان وبيلي غراهام, بما فيه من تكلف وتفخيم, يبدو مبالغاً وغير مناسب, وكأنهم يحاولون التعبير عن شيء ما من دون امتلاك الخلفية المناسبة أو المستمعين المناسبين لذلك. إن ذلك النموذج في قدمه, إضافة إلى صعوبة تناوله من دون الكثير من الانضباط الفكري ومعرفة قواعده, يلقي الضوء على أنماط الأداء الكلامي البالغة الزخرف والتعقيد التي اعتبرها فوكو ومعاصروه "فصيحة".

لكن هناك ما يقرب من المعادل لكل هذا في الممارسة الكتابية والشفهية العربية - اللغة التي تعتبر في أميركا حالياً, للأسف, قضية خلافية مخيفة لأسباب محض أيديولوجية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالطريقة التي تعاش وتستعمل بها تلك اللغة من جانب متكلميها. ولا أعرف من أين جاء هذا التصور للعربية كلغة تعبر عن عنف بشع يستعصي على الفهم. لكن لا بد من أن للموضوع بعض العلاقة بكل أولئك "الأشرار" في أفلام هوليوود في الأربعينيات والخمسينيات, بعمائمهم وتشفِّيهم السادي بضحاياهم, وأيضاً للهوس بالإرهاب من دون أي ذكر آخر للعرب غيره في الإعلام الأميركي. لكن الواقع هو أن مفهوم المثقف العربي في أنحاء العالم العربي أقرب إلى ما كان يعرفه أو يتكلم عليه فوكو منه إلى عالم الناطقين بالإنكليزية. ويعود التقليد الأدبي العربي في البلاغة والفصاحة إلى ألف سنة... إلى كتّاب عباسيين مثل الجاحظ والجرجاني وضعوا مخططات مذهلة التعقيد ومدهشة في حداثيتها لفهم البلاغة وأصناف البديع. لكن كل أعمالهم قامت على اللغة في شكلها الكلاسيكي المكتوب وليس على اللغة المحكية. وفي حال الأولى فهي تخضع لسيطرة القرآن, وهو في الوقت نفسه الأصل والنموذج لكل ما جاء بعده (وهو كثير بالطبع). إن هذا بحاجة إلى الإيضاح, فهو كما اعتقد غريب تماماً على مستعملي اللغات الأوروبية الحديثة، حيث نجد ما يقرب من التطابق بين اللغة المحكية والمكتوبة, وحيث فقد النص المقدس سلطته اللغوية تماماً.

يتكلم كل العرب بلهجات محلية تتفاوت إلى حد كبير بين منطقة وأخرى. إلا أن اللغة المكتوبة تختلف عن الكل, وسأعود إليها بعد قليل. لقد نشأت في أسرة تتكلم بخليط من اللهجات الفلسطينية واللبنانية والسورية. وهناك فروق طفيفة بين هذه (بما يكفي لأي مشرقي كي يعرف أن المشرقي الآخر أمامه يأتي من القدس أو بيروت على سبيل المثال), لكنها لا تعوق التواصل المباشر والسهل في ما بينها. لكنني بحكم ذهابي إلى الدراسة في القاهرة وقضائي مطلع شبابي فيها صرت أتكلم اللهجة المصرية بطلاقة أيضاً, وهي أسرع وأكثر إلماحاً بكثير, وأجمل كما اعتقد, من اللهجات التي نشأت عليها بين الأسرة والأقارب. وقد أتيح للهجة المصرية أن تكون الأوسع انتشاراً في العالم العربي بفضل السينما المصرية, والمسرحيات الإذاعية, والمسلسلات التلفزيونية في الآونة الأخيرة.

وأتذكر أن نظرائي في السن في لبنان أو فلسطين تمكنوا دوماً من أداء الأغاني والقفشات الكوميدية المصرية بسهولة, وإن لم يبلغوا مستوى المصريين أنفسهم في سرعة التعبير وروح النكتة.

في السبعينيات والثمانينيات, وتحت تأثير الفورة النفطية وقتذاك, بدأ إنتاج المسرحيات التلفزيونية في أماكن أخرى, وبالعربية الفصحى, لكنها لم تنجح إلا نادراً. ولم تقتصر مشكلة هذه المسرحيات على كونها في غالبيتها تاريخية ثقيلة الظل, واعتبرت بذلك مناسبة لذوق المسلمين الملتزمين (وكذلك المسيحيين المحافظين) الذي لا يرتاح إلى خفة الأفلام المصرية وانطلاقها, بل تقصد صانعوها أن تكون "مفيدة" للمشاهد, وفي شكل ممجوج, على الأقل بالنسبة إلي. ويمكن هواة تقليب "الريموت" اليوم أن يروا حتى أن أكثر المسلسلات المصرية بدائية أمتع بما لا يقاس من تلك المسرحيات الكلاسيكية. ويقتصر هذا الانتشار الآن على العامية المصرية. فلو أنني حاولت فهم جزائري يتكلم بلهجته لن أفهم منه ما يذكر, نظراً إلى الفارق الكبير في اللهجة والتعبير كلما ابتعدنا من شاطئ شرق المتوسط. وينطبق الشيء نفسه بالنسبة إلي على الكلام مع عراقي أو مغربي أو حتى خليجي. بالمقابل، فكل نشرات الأخبار وبرامج النقاش والأفلام الوثائقية, ناهيك عن الاجتماعات والندوات والخطب في المساجد أو الاجتماعات السياسية, إضافة إلى اللقاءات اليومية بين أشخاص بلهجات متباينة, تستعمل العربية الفصحى, وإن في شكل حديث مخفف يمكن فهمه في كل أنحاء العالم العربي من الخليج إلى المغرب.

السبب هو أن الفصحى - مثل اللاتينية في علاقتها التي استمرت إلى ما قبل قرن باللغات الأوروبية المحلية - أدامت حضورها الحيّ كاللغة المشتركة للإنتاج الأدبي على الرغم من حيوية اللهجات المحلية الكثيرة, لكن المحصورة بمحليتها (عدا اللهجة المصرية كما ذكرنا). إضافة إلى ذلك, فإن اللهجات لا تملك المخزون الأدبي الهائل الذي للفصحى, على الرغم من شغف كل بلد عربي, على سبيل المثال, بشعره العامي وكثرة تداوله, ولو انه يقتصر على متكلمي تلك اللهجة المعينة.

ونجد حتى الكتاب المعروفين على نطاق العالم العربي يستعملون الفصحى الحديثة في غالب الأحيان, من دون لجوء إلى العامية إلا لتقديم نتف من الحوار. هكذا نجد عملياً أن لكل متعلم ومثقف ازدواجاً في الشخصية اللغوية. ومن المألوف تماماً, على سبيل المثال, التحادث بالعامية مع مراسل تلفزيوني أو صحافي قبل بدء المقابلة, ثم الانتقال إلى الفصحى الحديثة, بطابعها الرسمي والمجامل أثناء المقابلة, مثلاً, أن تنتقل من "شو بدّك؟" باللهجة اللبنانية أو الفلسطينية, إلى "ماذا تريد؟" بالفصحى.

علينا أن نلاحظ أن المشكلة ليست في عدم وجود علاقة بين الدارجة والفصحى. فالحروف في حالات كثيرة هي نفسها, وكذلك نظام الجملة عموماً, لكن هناك تبايناً كبيراً في الكلمات والتلفظ, لأن الفصحى أو العربية "المثقفة" الموحدة تزيل كل أثر للهجات المحلية, لتبرز وسيلة مرنانة دقيقة التنغيم مع رفعة في التعبير وقدر كبير من التصريف, ما يمكنها من التوصل إلى مستوى رفيع من الأناقة اللفظية التي قد تبدو أحياناً كثيرة, وليس دوماً, وكأنها وصفات جاهزة. وإذا أُحسن استعمالها فلا مثيل لها في دقة التعبير وللطريقة المذهلة التي تتغير فيها الحروف ضمن الكلمة الواحدة, وبخاصة في نهايتها, لتقول شيئاً متميزاً مختلفاً. إنها أيضاً لغة لا مثيل لها من حيث مركزيتها بالنسبة إلى ثقافتها, كونها, بحسب ياروسلاف ستيكتيفتش, مؤلف أفضل كتاب حديث عنها, "ولدت مثل فينوس بكامل جمالها, وحافظت على ذلك الجمال على الرغم من كل مخاطر التاريخ وتخريب الزمن... وبالنسبة إلى الطالب الغربي... توحي العربية بفكرة التجريد الرياضي. فالنظام المتكامل للحروف الصامتة الأصلية الثلاثة وأنواع الأفعال المستمدة منها بمعانيها الأساسية, والتكوين الدقيق لاسم الفعل واسمي الفاعل والمفعول... هذه كلها تتسم بالوضوح والمنطقية والنظامية والتجريد. إنها لغة تشابه الصيغة الرياضية". لكنها أيضاً جميلة كتابياً, ومن هنا استمرار الموقع المركزي لفن الخط في العربية, ذلك الفن البالغ التركيب والتعقيد, الذي ينحو دوماً نحو النقش والزخرفة أكثر مما للتعبير النصّي.

مع ذلك لم أعرف في حياتي سوى شخص واحد لا يتكلم غير الفصحى, وهو عالم سياسة وسياسي فلسطيني كان الأطفال يصفونه بأنه "الشخص الذي يتكلم مثل كتاب", وأحياناً أخرى "الرجل الذي يتكلم مثل شكسبير". وهذا الأخير يرمز إلى العرب الذين لا يتقنون الإنكليزية - قمة الإنكليزية الكلاســيكية - وهو بالطبع لم يكن كذلك, إذ تمتلئ مسرحياته بالمهرجين والفلاحين والبحارة والصيّاع (المثال الأفضل على الإنكليزية الكلاسيكية هو ميلتون, بلغته الجادّة المرنانة). وكان كل أصدقاء هذا الأكاديمي الفلسطيني يسألونه إذا كان يغازل بالفصحى (وهو ما يبدو مستحيلاً لأن الدارجة هي اللغة الحميمية), لكنه لم يجب إلا بابتسامة غامضة. وهناك في شكل من الأشكال اتفاق يحكم نوع العربية التي نستعمل, وفي أية مناسبة, وإلى أي حد ... الخ. وفي المراحل المبكرة من الحرب في أفغانستان كنت أشاهد قناة "الجزيرة" لما فيها من نقاشات وتقارير إخبارية لا يقدمها الإعلام الأميركي. وأثار اهتمامي دوماً, بغض النظر عن المحتوى, مستوى الفصاحة العالي لدى الأطراف المتصارعة, حتى المكروهة منها, من ضمنهم أسامة بن لادن. فهو يتكلم بهدوء وطلاقة, من دون تردد أو خطأ نحوي, ولا بد من أن ذلك من عوامل تأثيره في كثيرين. كما أن هناك, على مستوى أقل, متكلمين من غير العرب, مثل برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار, ليس لهم لهجات محلية بل يستعملون الفصحى المستمدة من القرآن بطلاقة.

لا يعني هذا أن ما يعرف اليوم بـ"العربية الحديثة" الموحدة يشابه تماماً لغة القرآن قبل 14 قرناً, لأن لغة القرآن, على الرغم من الاستمرار في دراستها في كل مكان بالطبع, بعيدة من لغة التعامل اليومي, وتختلف في فصاحتها وتساميها عن النثر الحديث الأبسط من حيث التعبير. فقد جاءت الفصحى الحالية في الدرجة الأولى نتيجة عملية تحديث مثيرة بدأت في مرحلة النهضة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر, وقام بها إلى حد كبير مثقفون سوريون ولبنانيون وفلسطينيون ومصريون (الكثير منهم من المسيحيين) أخذوا على عاتقهم مهمة إدخال العربية إلى عالم الحداثة وتبسيطها واستعمال مصطلحات حديثة لم تكن موجودة فيها في مرحلتها الكلاسيكية مثل "قطار" و"شركة" و"ديمقراطية" و"اشتراكية", واستخراج مخزونها الهائل من القدرات من خلال القياس (وهو موضوع يقدمه ستكتيفتش في شكل رائع, إذ يبرهن بتفصيل دقيق كيفية استخدام النهضويين قواعد الاشتقاق لإغناء منظومة اللغة بكلمات ومفاهيم جديدة من دون الإضرار بتلك المنظومة). وهكذا فرض هؤلاء على الفصحى مفردات جديدة تصل نسبتها في الفصحى الحديثة إلى 60%. وقادت حركة النهضة إلى التحرر من النصوص الدينية, وأدخلت ضمناً علمانية جديدة في كتابة العرب وكلامهم. لذا, فلا أساس للشكاوى في "نيويورك تايمز" من "الفيلسوف الأحمق" توماس فريدمان والمستشرق المنهك برنارد لويس, اللذين يكرران التعويذة القائلة إن الإسلام والعرب بحاجة إلى إصلاح ديني على غرار الإصلاح البروتستانتي, لأن معرفتهما بالعربية سطحية, وليس لهما أي إطلاع على كيفية استعمالها من جانب العرب, حيث نجد أنها تحمل في كل ثنية من ثناياها, فكراً وممارسة, أثر الإصلاح.

ونجد هنا تكراراً لهذا الهراء حتى من بعض العرب الذين اضطروا لهذا السبب أو ذاك إلى مغادرة العالم العربي في مرحلة مبكرة من العمر, فيما يعترفون في اللحظة ذاتها بافتقارهم إلى أية معرفة جدية بالفصحى.

 

أثار انتباهي أن ليلى أحمد, المصرية التي كانت صديقة حميمة لأختي في القاهرة وتعلمنا سوية في المدارس الإنكليزية نفسها, وتنحدر من عائلة مثقفة عربية اللغة, وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنكليزي من كمبردج وألّفت قبل نحو عقدين كتاباً مثيراً للاهتمام عن الجنسانية في الإسلام, عادت إلى البروز أخيراً كناشطة ضد الفصحى, إضافة إلى كونها, وهو الأغرب, أستاذة في الدين (في الإسلام بالذات). وفي مذكراتها "عبر الحدود: من القاهرة إلى أميركا, رحلة امرأة" (1999) قدمت دفاعاً "مجيداً" عن العامية المصرية معترفة في الوقت نفسه بجهلها بالفصحى. ولا يبدو أن هذا عرقل تدريسها الإسلام في جامعة هارفرد, على الرغم من أن الكل يعرف أن العربية, إذا أخذنا القضية على مستوى معين من العمق, هي الإسلام والإسلام هو العربية. وبسبب افتقارها التام إلى التعايش مع اللغة على الصعيد اليومي لا يبدو أنها تدرك أن العرب المتعلمين في الحقيقة يستعملون العامية والفصحى سوية, وان ذلك لا يمنع طبيعية التعبير وجماله من جهة ولا يشجع تلقائياً على التكلف والجفاف من الثانية. فاللغتان منفتحتان على بعضهما بعضاً, ويمكن لمستعملهما الانسياب بيسر من الواحدة إلى الأخرى, وأن ذلك إحدى السمات الجوهرية لحياة العرب اللغوية. ولا يسعك لدى قراءة تهجمات ليلى أحمد المثيرة للشفقة إلا التأسف على أنها لم تهتم بتعلم لغتها, وهو أمر كان سهلاً عليها لو توافرت لها الرغبة وانفتاح الذهن.

لقد قضيت أول 15 سنة من حياتي في بلاد عربية, على الرغم من أنني تعلمت هناك في مدارس كولونيالية إنكليزية تديرها هذه البعثة التبشيرية أو تلك, أو المجلس الثقافي البريطاني. وبالطبع كان فيها تعليم الفصحى, لكن في شكل يشابه تعليم اللاتينية في الغرب, أي كلغة ميتة مستعصية (من هنا رؤية ليلى أحمد لها). وفي حالتي فقد كانت العربية والإنكليزية سوية, وبالمعنى الحرفي "لغة الأم", واستطعت دوماً الانتقال من الواحدة إلى الأخرى. لكن برامج التعليم جعلت الإنكليزية تتفوق على الفصحى, وبقيت هذه الأخيرة طوال سنيّ المبكرة رمزاً لكل القيود التي تفرضها العائلة والمدرسة, أشعر بالضيق منها كلما جلست في الكنيسة مستمعاً لمواعظ لا تنتهي, أو في الاجتماعات في المدرسة وغيرها وما فيها من الخطب العصماء في امتداح حسنات هذا الملك أو ذاك الوزير, وكان دفاعي الوحيد ضدها اللجوء حيث كنت ألجأ إلى السهو والتغافل. وحفظت عن ظهر قلب مقاطع من "كتاب الصلوات" وغيره من المواد الدينية, إضافة إلى بعض القصائد العربية, الوطنية عادة, التي لم أجد فيها وقتها سوى التحذلق والعاطفية المبالغة. لكن, لم أدرك إلا بعد سنين كيف أن أسلوب التلقين, ورجال الدين القساة والعديمي الموهبة, وموقف "تعلم هذا لأنه في مصلحتك" ومقاومتي المستمرة له, تضافرت كلها لتضعف من ذلك المشروع التعليمي بأكمله.

قواعد العربية على درجة من الرقي وجاذبية المنطق تجعل من الأفضل, كما اعتقد, تعليمها للطلبة الأكبر سناً, القادرين على عقلانية ترتيبها. وربما كان المكان الأفضل لتعليم العربية لغير العرب هو معاهد اللغة في مصر وتونس وسورية ولبنان وفيرمونت. لكن الذي لم استطع إتقانه أبداً كان ما أشرت إليه سابقاً: القدرة على التنقل بين الفصحى برسميتها وبلاغياتها والعامية بانسيابها وحميميتها. وبلغ من رفضي السلطوية القامعة لشخصيتي كطفل ومراهق أن ثورتي اتخذت شكل الإصرار على لغة الشارع وعدم استعمال الفصحى إلا للاستهزاء والتقليد الساخر للبلاغيات المملة والتهجم على الكنيسة والدولة والمدرسة.

لكن بعد استقراري في الولايات المتحدة منذ 1951 (مع زيارات كثيرة إلى الأهل في مصر ولبنان), وإذ لم أدرس خلال السنين الـ16 التي قضيتها في المدرسة ثم الجامعة غير اللغات والآداب الأوروبية, جاءت حرب 1967 لتدفعني, مكرهاً, إلى السياسة, ولو على البعد. وكان أول ما لاحظته وقتها أن لغة السياسة كانت الفصحى وليست العامية. وعاد إلى ذهني عندها موقفي من الفصحى أثناء الطفولة, وشعرت بسرعة أن التحليلات السياسية المقدمة بالفصحى في الاجتماعات العامة تبدو أعمق مما هي عليه فعلاً, أو أن الكثير مما يقال في تلك المحاولات الجاهدة لتقليد الفصحى قامت على نماذج للفصاحة تم تلقينها لتقليد الجدية في الطرح وليس الجدية بذاتها. وأزعجني أن اكتشف أن هذا ينطبق في شكل خاص على الرطانات الماركسية والتحررية السائدة وقتها, حيت تم تعريب توصيفات الطبقة والمصالح المادية والصراع الاجتماعي - وما يرافقها من الكلام على التناقضات والنقائض, و"معذبو الأرض" التعبير الذي خلفه لنا فانون - لتكون مادة لمونولوجات لا تخاطب الشعب بل الناشطين المثقفين الآخرين.

في المقابل استعمل بعض القادة مثل عبد الناصر وياسر عرفات - وقد عرفت بعضاً منهم - اللغة المحكية في جلساتهم الخاصة, ووجدت وقتها أنهم كانوا أبلغ من الماركسيين (الذين كانوا عادة أثقف من القائدين المصري والفلسطيني). وكان عبد الناصر يخاطب جماهيره بالعامية المصرية المطعّمة بتعابير مدوية من الفصحى. ولما كانت الفصاحة بالعربية تعتـمد إلى حد كبير على درامية الأداء, فـقد كان عرفات يبدو عادة في خطاباته العامة القليلة خطيباً أقل من المعدل, بسبب أخطائه في التلفظ وتردده وإطالاته المزعجة, حيث يبدو للأذن المثقفة وكأنه فيل يتخبط في حقل للزهور.

بعد بضع سنوات، وجدت أن لا خيار أمامي سوى استعادة تعلم قواعد العربية وفيلولوجياتها. ولحسن حظي كان معلّمي هذه المرة أستاذ اللغات السامية المتقاعد أنيس فريحة, من الجامعة الأميركية في بيروت, وكان صديقاً لوالدي. وكان مثلي من المبكرين بالنهوض, وقضينا الساعات الثلاث يومياً بين السابعة والعاشرة صباحاً في دراسة اللغة, وذلك من دون كتاب مقرر, لكن بتناول مئات المقاطع من القرآن والمؤلفين الكلاسيكيين مثل الغزالي وابن خلدون والمسعودي, والحديثين من أحمد شوقي إلى نجيب محفوظ. وكان أستاذاً رائعاً, كشفت لي دروسه عن آليات اللغة في شكل يناسب اهتماماتي المهنية وتدريبي الفيلولوجي في مجال الأدب الغربي المقارن, حيث كنت في ذلك الوقت تقريباً أقدم ندوات دراسية عن نظريات اللغة (سميت الموضوع أدبيات اللغة) لمؤلفين من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثل فوكو، وروسو، وهردر، ووردزورث، وكوليردج، وهمبولت، ورينان، ونيتشه وفرويد، ودو ساسور. وتعرفت بفضل فريحة (وأدخلت لاحقاً في برامجي التدريسية وكتاباتي) إلى اللغويين ومنظري اللغة العرب, من ضمنهم الخليل بن أحمد، وسيبويه، وابن حزم, الذين سبقت أعمالهم أولئك المفكرين الغربيين بنحو سبعة قرون.

وكانت ظاهرة التنقل بين الفصحى والعامية, كما شرحها لي فريحة, تجربة رائعة بالنسبة إلي, وبخاصة عندما قارنتها بالعلاقة من حيث القواعد والمفردات بين الإنكليزية والفرنسية.

وفي المقام الأول, بما أن العربية لغة يجرى تصريفها بدقة, يمكن المرء أن يتعلم الاشتقاقات الأساسية التسعة الأكثر استعمالاً للفعل - لبّ اللغة - من جذر يتألف من ثلاثة أحرف ساكنة, ما يوفر على صعيد بناء الجملة تلك الأشكال الشائعة الاستعمال (معظم الجمل العربية تبدأ بفعل) التي يتعيّن على الكاتب - المتكلم أن يختار منها, ولو أن هذه العملية تصبح تلقائية بمرور الوقت. بعدئذ, ثانياً, تمثل مفردات العربية الجزء الأكثر ثراء من اللغة, إذ يمكن صوغ الكلمات على نحو منطقي مذهل من جذور, وجذور الجذور في شكل لا نهائي تقريباً, وبانتظام دقيق كما يبدو. وهناك بالطبع تباينات في التعبير نشأت بمرور الوقت, لكن الألفاظ المهجورة والعامية الحديثة في الخطاب بالفصحى لا تثير المشاكل ذاتها كما تفعل, على سبيل المثال, في الإنكليزية أو الفرنسية الحديثة.

 

وتوجد العربية الفصحى, وقواعدها وتصريفاتها وأشكال إعرابها وثراؤها الجميل, بتزامن دائم نوعاً ما من الوجود يختلف تماماً عن أية حالة لغوية أخرى أعرفها, على الرغم من أنه عندما تأخذ المحادثات المحكية منحى جدياً أو معقداً, فإن المرء يلجأ عندئذ إليها كفاصل وجيز جداً أو متقطع: الحاجة إلى كلام شخصي غير ذي شأن مثل "ناولني السكر" أو "حان الوقت لأن أغادر" تعيد المرء إلى اللغة المحكية. لكن في بعض الأحيان, عندما يجرى التكلم بطريقة خطابية في تجمع عام قد يكون اجتماع عمل أو ندوة أو لجنة أكاديمية أو محاضرة, يتحول المتكلمون إلى حاملي هذه اللغة الأخرى, التي يمكن فيها حتى لتعابير مثل "يسعدني أن أكون هنا اليوم" أو "لا أريد أن آخذ الكثير من وقتك" أن تحوّل إلى صياغات بالفصحى تؤدي وظيفتها كجزء عضوي من ذات الخطاب كله. وهنا ينبغي أن أشير إلى أن قناة "الجزيرة", التي يعاب عليها كثيراً في وسائل الإعلام الأميركية من أشباه خبراء والتي أستطيع أن أشاهدها بسهولة عبر جهاز استقبال البث الفضائي, لا تنقل طيفاً من الآراء السياسية أوسع بكثير مما يتوافر في وسائل الإعلام الأميركية الرئيسة فحسب, بل إنه بسبب استخدام اللغة الفصحى لا يوجد أثر لكلام الأشقياء السوقي الذي يشوه برامج المقابلات والحوارات التي تعرض هنا, حتى عندما تتضمن المناقشات خلافات حادة في شأن قضايا كبرى في السياسة والدين.

وأثار انتباهي دوماً الوقع الذي يحدثه سماع كلمة شائعة ذات معانٍ متضاربة تماماً في اللغتين. لنأخذ الاسم "سامي", على سبيل المثال. في اللغة الإنكليزية, يتبادر إلى الذهن فوراً سام ويلر, أو سامي غليك, وهو ممثل كوميدي, أو على الأقل لقب غير جميل أو صيغة شائعة مختصرة لاسم أكثر مهابة مثل "صموئيل" بما يوحي من دلالة دينية لا تناسب عصرنا. وفي العربية, يعد "سامي" أيضاً اسماً شائعاً لرجل (المؤنث هو "سامية", وهي أيضاً الكلمة المستخدمة لـ"الساميّة"), لكنه مشتق من كلمة "السماء", وبالتالي يعني "عال" أو "سماوي", وهو ابعد ما يمكن تصوره عن اسم "سام" أو "سامي" بالإنكليزية. إنهما موجودان معاً لدى المستمع الذي يتقن اللغتين, محيّرين, وغير متوائمين إطلاقاً.

وبخلاف الإنكليزية, تزخر العربية، سواء الفصحى أم اللهجات المحلية بصياغات مهذبة تتضمن ما يعرف بـ"أدب اللغة", أو السلوك السليم في اللغة. فالشخص الذي لا يعد صديقاً قريباً يخاطب دائماً بصيغة الجمع, وتوجه أسئلة مثل "ما اسمك؟" دائماً في شكل غير مباشر ومقترنة بعبارات تبجيل. وعلى غرار اللغة اليابانية, وبدرجة أقل الفرنسية والألمانية والإيطالية والأسبانية, يلجأ الناطقون بالعربية إلى شتى أنواع التمايزات في النبرة والمفردات في ما يتعلق بطريقة التخاطب في أوضاع محددة وفي شأن مواضيع خاصة. ويشار إلى القرآن دائماً باعتباره "القرآن الكريم", وبعد تلفظ اسم النبي محمد يتوجّب القول "صلى الله عليه وسلّم". وتستخدم صيغة اقصر قليلاً من التعبير ذاته للمسيح. وفي المحادثة العربية المعتادة, يتكرر اسم الله عشرات المرات بتعابير على مستوى مذهل من التنوع تعيد إلى الذاكرة كلمة deo volente باللاتينية، أو ojala بالأسبانية، أو in God's name بالإنكليزية, لكنه يتكرر مرات أكثر بكثير. وعندما يُسأل أحدهم كيف حاله, يأتي الرد المباشر دائماً "الحمد لله", على سبيل المثال, وما يمكن أن يعقب ذلك هو سلسلة كاملة من الأسئلة التي تتردد فيها أيضاً كلمة الله, وهي تتناول أفراد العائلة الذين لا يشار إلى أي منهم عادةً بالاسم، بل بالمكانة التي يحظى بها من حب وتقدير (لا يشار إلى الابن باسمه بل بتعبير "المحروس"). وتميز أحد أعمامي, عندما كان يعمل مديراً في مصرف, بموهبة حقيقية تمكّنه من الاسترسال بحديث فضفاض مهذب لمدة خمس عشرة دقيقة من التعابير الكيّسة, وهو أمر لا يمكن تخيّله في الإنكليزية, لكن يجرى تعلمه في عمر مبكر ويخصص للاستعمال في حالات يكون فيها ما يقال أكثر أهمية من موضوع الحديث. وهو ما وجدته دوماً مسلياً على نحو رائع, وبخاصة أنني أجد القيام بذلك شيئاً بالغ الصعوبة, إلا للحظة أو لحظتين.

ومن أقدم ما تحتفظ به ذاكرتي عما يتوقع من الخطيب بالعربية الفصحى في مناسبة رسمية ما روته لي قبل سنين كثيرة والدتي وعمتها, وهي مدرسة للغة العربية, بعد الاستماع إلى خطاب أكاديمي في القاهرة ألقته شخصية مصرية معروفة, قد تكون طه حسين أو أحمد لطفي السيد. ربما كانت المناسبة سياسية أو تذكارية, فقد نسيت أيهما تكون, لكنني أتذكرهما تقولان أن بعض شيوخ الأزهر كانوا ضمن الحضور. ولاحظت والدتي أنه بين فترة وأخرى كان الخطاب الرزين والمحكم يتعرض إلى مقاطعة, إذ يقف أحد الشيوخ ويقول "اللهم", ثم يجلس فوراً, وقيل لي إن هذا التعبير الذي يحتوي على كلمة واحدة كان لإظهار الاستحسان (أو الاستهجان) لحسن التعبير (أو لخطأ في النطق). وتبيّن هذه الرواية بالذات الأهمية الكبيرة التي تولى للفصاحة أو, بالعكس, للإخفاق فيها. ومن المفيد أن ندرك أن جامعة الأزهر ليست أقدم مؤسسة للتعليم العالي في العالم فحسب, بل إنها تعتبر مركز المذهب السنّي في الإسلام, ويمثل عميدها بالنسبة إلى مصر السنية أرفع مرجع ديني في البلاد. والاهم من ذلك أن الأزهر يدرّس في شكل أساس, لكن ليس حصرياً, المعرفة الإسلامية, وفي لبّها القرآن, وكل ما يتصل به من طرق التفسير والتشريع والحديث واللغة وعلم النحو والصرف. لذا من الواضح أن إتقان العربية الفصحى يكمن في صميم تدريس الإسلام للعرب وغيرهم من المسلمين في الأزهر لأن لغة القرآن - التي تعتبر أنها كلام الله الأزلي "المنزل" عبر الوحي إلى النبي محمد - مقدسة, وتتضمن قواعد ونماذج صرفية تعد ملزمة لمن يستخدمها, ولو أنهم بموجب "الإعجاز" لا يمكن أن يلجأوا إلى محاكاتها, أو أن يجرى بأي شكل, كما في حالة "آيات شيطانية", تحدي مصدرها الإلهي كلياً.

قبل ستين عاماً, كان يُنصت إلى الخطباء ويُعلّق عليهم من دون انقطاع تبعاً لصواب لغتهم ولباقتها بدرجة لا تقل عن تقويم مضمون كلامهم. ولم أشهد شخصياً حادثة مثل تلك التي رويت لي, ولو أنني أتذكر بشيء من الخجل أنه عندما ألقيت أول كلمة لي بالعربية (في القاهرة أيضاً) قبل عقدين, وبعد سنين من التكلم في اجتماعات عامة بالإنكليزية والفرنسية ولكن ليس بلغتي الأصلية أبداً, اقترب مني شاب من أقربائي بعد انتهاء الكلمة ليبلغني مدى خيبته لأنني لم أكن أكثر فصاحة. قلت له مكتئباً: "لكنك فهمت ما قلته", لأن همي الأساس كان أن تفهم بعض النقاط السياسية والفلسفية الحساسة. أجاب: "آه, نعم, بالطبع, لا توجد أية مشكلة. لكنك لم تكن فصيحاً أو بلاغياً بما فيه الكفاية". ولا تزال هذه الشكوى تلازمني عندما أتكلم لأنني لا أستطيع أن أحوّل نفسي إلى متكلم بالعربية الفصحى أو خطيب مفوّه. فأنا أمزج العبارات العامية والفصحى في شكل براغماتي, مع نتائج (كما اُبلغت ذات مرة بلطف) تشبه حال شخص يملك رولزرويس لكنه يفضّل استخدام سيارة فولكسفاغن. وما زلت أحاول أن أحل هذه المشكلة لأنني, كشخص يعمل بلغات عدة, لا أريد أن أتّهم بأنني أقول شيئاً بالإنكليزية لا أقوله بالطريقة ذاتها بالضبط بالعربية.

ولا بد من أن أقول إنه على الرغم من تذرعي بأن طريقتي في الكلام تتجنب الدوران حول المعنى والحذلقة المزخرفة (تتضمن في الغالب مرادفات لا تنتهي, واستخدام إما "و" كوسيلة لتطوير أفكار من دون اكتراث لمنطق, أو استخدام مجموعة صياغات مستظهرة من غير فهم لكلام فضفاض وتعابير ملطّفة من النوع الذي يهزأ به اورويل في "السياسة واللغة الإنكليزية", لكن يمكن العثور عليه في كل لغة) وهي ملازمة لتدهور الكتابة السياسية والصحافية والنقدية المعاصرة باللغة العربية, فإن ذلك أيضاً هو عذر استخدمه لإخفاء إحساسي بأنني ما زلت أتسكع على حواشي اللغة بدلاً من الوقوف بثقة في قلبها. ولم اكتشف إلا في السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة أن أروع وأرشق وأصلب نثر عربي قرأته أو سمعته هو ما أنتجه روائيون (وليس نقاداً) مثل الياس خوري أو جمال الغيطاني, أو اثنين من أعظم شعرائنا الأحياء, أدونيس ومحمود درويش, وكلاهما يسمو في قصائده الغنائية إلى ذرى شامخة من العاطفة لدرجة تدفع جمهوراً غفيراً إلى نوبات نشوة مفعمة بالحماسة, لكن النثر بالنسبة إلى كليهما أداة أرسطوية يشبه في أناقته نثر ايمبسون او نيومان. لكن معرفتهما باللغة تمتاز ببراعة فائقة وبكونها طبيعية لدرجة أنهما يستطيعان أن يتكلما بفصاحة ووضوح في آن بفضل موهبتهما التي لا تحتاج إلى حشو أو إطناب مضجر أو تباه لذاته, بينما ما زال يتعين على شخص مثلي تعرف على عبقرية اللغة في وقت متأخر نسبياً - فأنا لم أتعلمها كجزء من تعليم إسلامي على وجه التحديد, أو في نظام تدريس عربي وطني (وليس استعماري) - أن يفكر بتأنٍ عند تركيب جملة بالفصحى في شكل صحيح وواضح, من دون أن يحقق دائماً نتائج جيدة, إن شئنا التعبير في شكل ملطّف.

ونظراً لأن العربية والإنكليزية لغتان مختلفتان بالطريقة التي تعملان بها, وأيضا لأن هدف الفصاحة في إحداهما ليس كما هو في الثانية, فإن إجادة التكلم بلغتين من النوع الذي غالباً ما أحلم به, وأجرؤ أحياناً على الاعتقاد بأنني أوشكت على تحقيقه, غير ممكن حقاً. ويوجد كم هائل من الكتابات التقنية عن ثنائية اللغة, لكن ما اطلعت عليه منها لا يمكن أن يعالج مسألة أن يعيش المرء فعلاً لغتين من عالمين مختلفين وفصيلتين لغويتين مختلفتين, وليس أن يعرفهما فحسب. وهذا لا يعني القول إن المرء لا يمكن أن يكون في شكل ما لامعاً, كما كان كونراد البولندي الأصل باللغة الإنكليزية, لكن الغرابة تبقى موجودة إلى الأبد. إضافة إلى ذلك, ماذا يعني أن تتقن التكلم بلغتين على نحو متكافئ كلياً؟ هل بحث أحد الأشكال التي تخلق بها كل لغة حواجز بوجه غيرها من اللغات؟ هكذا, غالباً ما أجد نفسي ألحظ جوانب من التجربة وأجمع أدلة من حولي تؤكد مجدداً العيب المحيّر (بالنسبة إلي) والحالة الدينامية لكلا اللغتين, أي التباين التام بينهما, وهو أكثر إشباعاً بكثير من إنجاز جامد وكامل, لكنه نظري فحسب على نحو ما يحققه كما يبدو المترجمون المحترفون, لكنهم باعتقادي لا يفعلون ذلك لأنهم, بحسب تعريف مهمتهم بالذات, غير قادرين على الفصاحة. وبعدما تركت ورائي أماكن دمرتها الحرب أو أنها لأسباب أخرى لم تعد موجودة, ولم يعد لدي ما يذكر من ممتلكات وأشياء من المرحلة المبكرة في حياتي, يبدو أنني جعلت من هاتين اللغتين في حركتهما, كتجارب, بيئة يمكن أن احملها داخلي, بكل ما تحتويه من جرس وطبقة صوتية ولهجة تلائم تماماً الزمان والمكان والشخص. أتذكر وما زلت أنصت لما يقوله الناس, وكيف يقولونه, وأي كلمات تحمل التشديد وبأية طريقة على وجه التحديد. وهو ما يفسّر, باعتقادي, لماذا كانت الشخصيات الهزلية في أعمال هوبكينز وشكسبير, في الشعر الإنكليزي, هي التي تركت وقعاً على أذنيّ يتعذر محوه بسهولة.

لذا عندما أفكر بالسنوات المبكرة من حياتي تتجلى لي في شكل صور قوية التأثير تبدو الآن مفعمة بالحيوية مثلما كانت آنذاك, كما تتجلى في الوقت نفسه بحالات اللغة في العربية والإنكليزية التي تبدأ دائماً في ألفة العائلة: إنكليزية والدتي بلهجتها وموسيقاها الغريبتين, المكتسبتين في مدارس تبشيرية وبيئة فلسطينية متعلمة في البلاد, ولغتها العربية بقدرتها التعبيرية الرائعة, المتأرجحة في شكل ساحر بين لهجة موطنها الأصلي في الناصرة وبيروت ولهجة مكان إقامتها اللاحق لوقت طويل في القاهرة, ولهجة والدي الانكلو - أميركية الغرائبية, ومزيج لهجتي القدس والقاهرة الذي كان أضعف لديه بكثير, والإحساس الذي أعطاني إياه بالنصح وفي الوقت نفسه البحث دون نتيجة في أحيان كثيرة عن الكلمة الصحيحة بالإنكليزية وأيضاً بالعربية. ثم هناك في وقت لاحق العربية التي تتكلم بها زوجتي مريم, وهي لغة تعلمتها في شكل طبيعي في مدرسة حكومية من دون تأثير في البداية من الإنكليزية والفرنسية, ولو أنها تعلمت الاثنتين بعد ذلك بقليل.

ومن هنا السهولة التي تجدها في الانتقال بين الفصحى والعامية, وهو ما أعجز إطلاقاً عن القيام به مثلها أو بالثقة التي تفعل بها ذلك. وهناك معرفة ابني المدهشة باللغة العربية التي اكتسبها بجهد مثابر وحده في الجامعة وبعدئذ عبر إقامته الطويلة في القاهرة وفلسطين والأردن وسورية ولبنان، مسجلاً أي مصطلح جديد يتعلمه, قانوني أو قرآني أو شعري أو جدلي, حتى تحول الفتى الذي نشأ في مدينة نيويورك وأصبح محامياً لغته الأولى هي الإنكليزية طبعاً, إلى مستخدم ضليع لـ"الشيء" الذي ينطق به جد والدته, أي اللغة العربية التي كان يدرّسها كأستاذ جامعة في بيروت قبل الحرب العالمية الأولى. وهناك أيضاً ابنتي بحدة السمع التي تملكها كممثلة بارعة وموهبتها الأدبية المبكرة. فهي, على الرغم من أنها لم تقتفِ أثر شقيقها الأكبر لتتقن المزايا الغريبة للغتنا الأصلية, تستطيع أن تحاكي الأصوات بالضبط. وقد طلب منها (وبخاصة في الوقت الحاضر) أن تؤدي أدواراً في أفلام تجارية ومسلسلات تلفزيونية ومسرحيات، وهي أدوار تمثل المرأة الشرق الأوسطية, ما أثار تدريجاً لديها اهتماماً بتعلم اللغة المشتركة للعائلة للمرة الأولى في حياتها الفتية.



* نشرت هذه المقالة على حلقتين في صحيفة "الحياة اللندنية" يومي 8 و9 آذار 2004، تلبية لرغبة سابقة من كاتبه، إذ كان نشره بالإنكليزية في المجلة الأدبية المتخصصة "راريتان" (ربيع 2002)، وتمنى لو أمكن ترجمته ليطلع عليه قراؤه العرب، وهو يتحدث عن اللغة العربية، محللاً ومتذوقاً, لكنه, كالعادة, يعرّج على السياسة والسياسيين عرباً وأجانب.