يبدأ الأطفال التعلم قبل قدومهم إلى المدرسة بوقت طويل، إن هذا الموضوع هو النقطة التي سأنطلق منها في هذه المناقشة؛ إن أي تعلم يتعرض له طفل في المدرسة له تاريخ سابق عليه دائماً. فمثلاً، يبدأ الأطفالُ تعلم الحساب في المدرسة، ولكنهم يمتلكون معرفة وخبرة ما فيما يخص (الكم) قبل ذلك بكثير، فقد كانوا قد بدأوا يتعاملون مع عمليات القسمة، والجمع، والطرح، وتحديد الحجم ... قبل قدومهم إلى المدرسة. ولذلك، فإن الأطفال لديهم (حساب) ما قبل المدرسة الخاص بهم، ولا يمكن إلا لعلماء النفس قصار النظر أن يهملوا ذلك.

إن التّعلم كما يحدث في سنوات ما قبل المدرسة يختلف بشكل ملحوظ عن التعلم الذي يحدث في المدرسة، هذا التعلم الذي يهتمّ باستيعاب أساسيات المعرفة العلمية. ومع ذلك، فإن الطفل، وفي فترة أسئلته الأولى، يستوعب أسماء الأشياء في بيئته، وبذلك، فهو يتعلّم.

هل من المشكوك به أن الأطفال يتعلّمون الكلام من البالغين؛ أو عبر توجيه أسئلة وتقديم أجوبة؟! الأطفال يكتسبون تنويعة من المعلومات؛ سواء عبر تقليد بالغين أم من خلال الأوامر التي توجه أفعالهم، ويطوّرون كل مستودع مهاراتهم. التّعلم والنمو يرتبطان بالطفل من يومه الأول في الحياة.

يحاول كوفكا (Koffka) إيضاح قوانين تعلم الطفل وعلاقتها بنموه العقلي، ويركز اهتمامه على عمليات التّعلم الأبسط، وهي تلك التي تحدث في سنوات ما قبل المدرسة. أما خطأه، فإنه في الوقت الذي يرى فيه التشابه بين تعلم ما قبل المدرسة وبين التعلم المدرسي، فإنه فشل في تمييز الاختلاف بينهما، فهو لا يرى العناصر الجديدة التي يقدمها التعلم المدرسي. هو وآخرون يفترضون بأنّ الاختلاف بين ما قبل المدرسة وبين التعلم المدرسي يتضمّن تعلماً غير منظّم في الحالة الأولى، وتعلماً منظّماً في الحالة الثانية. لكن "الانتظامية" ليست القضية الوحيدة؛ فهناك أيضاً حقيقة أنّ التعلم المدرسيّ يقدّم شيئاً أساسياً جديداً لنمو الطّفل يتزامن مع توسّع أبعاد التعلم المدرسي. سنصف مفهوماً جديداً مهماً استثنائياً، دونه، فإن المسألة لا يمكن حلها. إنه مفهوم "منطقة النمو الممكنة". 

إن الحقيقة المعروفة جيداً، والقائمة على التجريب، تتمثل في أنّ التّعلم يجب أن يجاري في بعض أساليبه مستوى نمو الطّفل. مثلاً، لقد ترسّخ بأن تعليم القراءة، والكتابة، والحساب يجب أن يبدأ في مستوى عمر محدّد. وقد ظهر مؤخراً فقط تنبه لحقيقة أنه لا يمكننا أن نقيد أنفسنا بشكل مجرّد لتحديد مستويات النمو إذا رغبنا في كشف العلاقات الحقيقية لعملية النمو وقدرات التعلم. علينا أن نحدد، على الأقل، مستويين من مستويات النمو.

أما المستوى الأول، فيمكن تسميته بمستوى النمو الحقيقي، وهو، مستوى تطوّر وظائف الطفل العقلية التي أسست كنتيجة لبعض دورات النمو المكتملة مسبقاً. فعندما نحدد العمر العقلي للطفل من خلال الاختبارات، فنحن نتعامل مع مستوى النمو الحقيقي. في دراسات النمو العقلي للأطفال، تم الافتراض عموماً بأن تلك الأشياء التي يستطيع الطفل عملها فقط، هي المؤشر على مقدرته العقلية. إننا نقدم للأطفال حزمة من الاختبارات أو تنويعة من المهمّات التي تتغير درجة الصّعوبة فيها، ونحن نحكم على مدى نموهم العقلي على قاعدة الكيفية التي يحلون بها، وبأي مستوى من مستويات الصّعوبة. من الناحية الأخرى، إذا ما عرضنا أسئلة موجهة أو رؤية لكيفية حل المشكلة، وبعد ذلك يقوم الطفل بحلها، أو إذا بدأ المعلّم بالحل، وقام الطّفل بإكماله أو حلّه بالتّعاون مع أطفال آخرين. باختصار، إذا أخطأ الطّفل في الوصول إلى الحل بشكل مستقل، فإن الحل لا يعتبر دالاً على مدى نموه العقلي. هذه "الحقيقة" كانت مألوفة ومدعومة بشعور عام. لقد مر عقد دون أن يسائل المفكرون ذوو النظرة العميقة هذه الفرضية؛ لم يفكروا أبداً في التّصوّر الذي يتمثل فيما يمكن للأطفال عمله بمساعدة الآخرين، ويمكن أن يكون، بمعنى ما، أكثر دلالة على نموهم العقلي إذا ما قورن بما يمكنهم عمله وحدهم.

لنأخذ مثالاً بسيطاً. لنفترض أنني استقصي طفلين عند مدخل المدرسة، كلاهما بعمر عشر سنوات زمنياً، وبعمر ثماني سنوات بتعابير النمو العقلي. هل يمكن لي أن أقول إنهما في العمر العقلي نفسه؟ بالطبع. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أنهما يمكن أن يتعاملا بشكل مستقل في المهمّات بحدود درجة الصّعوبة الموحدة لمستوى بعمر ثماني سنوات. إذا توقفت عند هذه النّقطة، فإن الناس سيتخيّلون بأن المسار اللاحق للنمو العقلي والتعلم المدرسي لهذين الطفلين سيكون نفسه، لأنه يعتمد على فطنتهما. بالطبع، فقد تكون هناك عوامل أخرى، مثلاً، إذا كان أحد الطفلين مريضاً لنصف سنة، بينما الآخر لم يتغيّب عن المدرسة أبداً؛ لكن بشكل عام يتكلم، فإن قدر هذين الطفلين يجب أن يكون نفسه. لنتخيل الآن أنني لا أنهي دراستي عند هذه النّقطة، لكنها البداية فقط. هذان الطفلان يبدوان كقادرين على معالجة مشاكل بحدود مستوى في عمر ثماني سنوات، ولكن ليس أكثر من ذلك. لنفترض بأنّني أريهما طرقاً متعدّدة للتعامل مع المشكلة. إن مجربين مختلفين قد يطبقون أساليب مختلفة لعرض الحالات المختلفة: البعض قد يمرّ عبر كل العرض ويطلب من الأطفال إعادته، آخرون قد يبادرون إلى الحل ويطلبون من الطّفل إنهاءه، أو يعرضون أسئلة موجهة. باختصار، بطريقة ما أو بغيرها، فإنني أقترح أنّ يحل الأطفال المشكلة بمساعدتي. تحت هذه الظّروف يظهر أن الطّفل الأول يمكن أن يتعامل مع المشاكل بحدود مستوى بعمر اثنتي عشرة سنة، أما الثّاني فيتعامل معها بحدود مستوى في عمر تسع سنوات. الآن، هل هذان الطفلان عقلياً متطابقان؟ لقد أظهرت النظرة الأولى بأن قدرات الأطفال المتساوين في مستويات نموهم العقلي تغيرت إلى درجة أعلى حين تعلموا بتوجيه معلم، وأصبح ظاهراً أنَّ هذين الطفلين لم يكونا عقلياً في العمر نفسه، وأن المسار اللاحق لتعلمهم سيكون مختلفاً بشكل جلي. إن هذا الاختلاف بين اثنتي عشرة سنة وثماني سنوات، أو بين تسع سنوات وثماني سنوات هو ما نسميه منطقة النمو الممكنة. فهي المسافة ما بين مستوى النمو الحقيقي كما تحدد بالحل المستقل للمشكلة، وبين مستوى النمو الممكن كما تحدد من خلال حلّ مشكلة تحت توجيه بالغٍ أو بالتّعاون ما بين نظراء أكثر قدرة.

إذا سألنا، بسذاجة، ما هو مستوى النمو الحقيقي؟ أو ببساطة أكبر، أي "حلِّ مشكلاتٍ" مستقلٍ هو الأكثر ظهوراً؟ إن الجواب الأكثر شيوعاً سيكون بأن مستوى النمو الحقيقي لطفل يعرِّف الوظائف التي تكون قد نضجت أصلاً، وهي، النواتج النهائية للنمو. إذا كان ممكناً لطفل أن يعمل مثل هذا، ومثل ذاك بشكل مستقل، فهذا يعني أن الوظائف لمثل هذا ومثل ذاك تكون قد نضجت لديه. إذن، ما الذي يعرِّف منطقة النمو الممكنة، كما تحدده المشكلات التي لا يمكن للأطفال حلها بشكل مستقل، ويمكن حلها فقط عبر المساعدة؟ إنّ منطقة النمو الممكنة تعرّف تلك الوظائف التي لم تنضج لحد الآن، ولكنها في طور النّضوج، إنها الوظائف التي ستنضج غداً، ولكنها الآن في حالة جنينية. هذه الوظائف يمكن التعبير عنها بـ "براعم" أو "زهور" النمو بدلاً من "ثمار" النمو. إن مستوى النمو الحقيقي يحدد النمو العقلي بشكل ذي أثر رجعي، بينما منطقة النمو الممكنة تحدد النمو العقلي بشكل متوقّع.

تمد منطقة النمو الممكنة علماء النفس والمربين بأداة يمكن أن يُفهَم المسارُ الذاتي للنمو من خلالها. فباستعمال هذه الطّريقة يمكننا أن نحسب حساباً ليس لدورات النّضوج وعملياته التي قد تكون قد اكتملت أصلاً فقط، ولكن أيضاً لتلك العمليات التي هي في طور التّشكل الآن، تلك التي تبدأ في النضج والنمو. وهكذا، فإن منطقة النمو الممكنة تجيز لنا التخطيط للمستقبل القريب للطّفل وحالة نموه الدّينامية، وهذا لا يسمح فقط لما أنجز من نمو أصلاً، ولكن، أيضاً، لما هو في طريقه للنّضوج. الطّفلان في مثالنا يعرضان العمر العقلي نفسه من وجهة نظر دورات  النمو التي اكتملت أصلاً، لكن ديناميكية النمو لكليهما كانت مختلفة كلياً، إن حالة النمو العقلي للطفل يمكن أن تحدد فقط بواسطة تبيان مستوييها: مستوى النمو الحقيقي ومنطقة النمو الممكنة.

كشفت الباحثة الأمريكية دوروثيا مكّارثي (Dorothea McCarthy) عن أن للأطفال ما بين ثلاث وخمس سنوات مجموعتين من الوظائف: تلك التي يمتلكها الأطفال أصلاً، وتلك التي يمكن أن يؤدّوها بتوجيه في مجموعات، وعبر التّعاون مع بعضهم البعض، لكنهم لا يتقنونها بشكل مستقل. إن دراسة مكّارثي بينت أن المجموعة الثانية من الوظائف هي في مستوى النمو الحقيقي من خمسة إلى سبعة أعوام. إن ما يتحقق فقط بالتّوجيه، وفي التّعاون، وفي المجموعات في الأعمار ما بين ثلاث إلى خمس سنوات يمكنهم القيام بعمله بشكل مستقل عندما يصلون إلى عمر ما بين خمس إلى سبع سنوات. وهكذا، فإننا إذا كنا نحدد فقط عمراً عقلياً يوظف ما قد نضج فقط، فسيكون لدينا خلاصة نمو مكتمل، بينما إذا حددنا وظائف النّضوج، فيمكننا أن نتوقّع ما الذي سيحدث لهؤلاء الأطفال من خمسة وسبعة، مزودين بشروط النمو المزعومة نفسها. يمكن لمنطقة النمو الممكنة أن تصبح مفهوماً مؤثراً في أبحاث النمو، إذا أمكننا تعزيز تأثيرها والانتفاع بتطبيق تشخيص النمو العقلي للمشاكل التّربوية. 

إن فهماً متكاملاً لمفهوم منطقة النمو الممكنة يجب أن ينتج عبر إعادة تقييم لدور المحاكاة في التّعلم. إن عقيدة علم النفس الكلاسيكي الثابتة تقوم على أن النّشاط المستقل للأطفال فقط، وليس نشاط المحاكاة، هو الذي يشير إلى مستوى النمو العقلي لديهم. ويتم التعبير عن هذه النظرة في كل أنظمة الاختبار الحالية. ففي تقييم النمو العقلي يؤخذ بالاعتبار فقط الحلول التي تختبر المشكلات التي يصل إليها الطّفل دون مساعدة الآخرين، ودون عروض، ودون أسئلة موجِهة. ولذلك، فإن المحاكاة والتّعلم يفكّر فيهما كعمليات ميكانيكية صافية. ولكن العلماء النفسانيين مؤخراً أبانوا بأنّ الشخص يمكن أن يحاكي فقط ما يقع ضمن مستوى نموه. مثلاً، إذا كان هناك طفل لديه صعوبة في مشكلة في الحساب، ويحلها المعلّم على السّبورة، فإن الطّفل قد يدرك الحل فوراً. ولكن إذا كان المعلّم يحلّ مشكلة في الرّياضيات الأعلى، فإن الطّفل لن يكون قادراً على أن يفهم الحل مهماً استغرق من الوقت في محاكاتها.

لقد تعامل علماء نفس الحيوان وكاهلير (Kahler) تحديدا مع مسألة المحاكاة هذه بشكل حسن. فتجاربه تطلعت إلى تحديد فيما إذا ما كانت القرود الراقية قادرة على التفكر التّخطيطي. إن السّؤال المبدئي كان يتمثل فيما إذا كانت القرود الراقية قد حلّت مشكلات بشكل مستقل أو بمحاكاة حلول قد عرضت أمامهم سابقاً، ليس إلا. مثلاً، بمراقبة حيوانات أو بشر آخرين يستعملون أعواداً وأدوات أخرى، وبعد ذلك يحاكونهم. إن تجارب Kahler الخاصّة، صمّمت لتحديد ما الذي يمكن للقرود الراقية أن تحاكيه، ولكشف فيما إذا كانت القرود الراقية يمكن أن تستعمل فقط لتقليد حل تلك المشاكل التي هي على الدرجة نفسها من الصّعوبة، وتلك التي يمكن أن يحلّوها بمفردهم. على أية حال، فإن Kahler فشل في أن يضع في حسابه حقيقة مهمة، وهي أن القرود الراقية لا يمكن أن تعلّم (بالمعنى الإنساني للكلمة) عبر المحاكاة، ولا يمكن لفكرها أن يتطوّر، لأنه ليس لديها منطقة النمو الممكنة. إن القرد الراقي يمكن أن يتعلّم حزمة عظيمة من خلال التدريب باستعمال مهاراته الميكانيكية والعقلية، لكنه لا يمكن أن يصبح أكثر ذكاء، فهو لا يمكن أن يعلّم حلَّ تنويعة المشكلات الأكثر تقدماً بشكل مستقل. لهذا السبب، فإن الحيوانات عاجزة عن أن تتعلّم بالمعنى الإنساني للتّعبير؛ فالتعلم الإنساني يفترض طبيعة اجتماعية محدّدة وعملية تتطلب نمو الأطفال في الحياة الثّقافية التي هي حولهم.

يمكن للأطفال أن يحاكوا تنويعة من الأفعال بشكل جيّد إلى ما هو أبعد من حدود قدراتهم. فباستعمال المحاكاة، فإن الأطفال قادرون على عمل أكثر بكثير في النّشاط الجماعي أو بتوجيه البالغين. هذه الحقيقة، التي تبدو قليلة الأهمية بذاتها، فإنها ذات أهمية أساسية، فهي تتطلب تعديلاً جذرياً لكل التوجه الذي يهتم بالعلاقة بين التعلم والنمو عند الأطفال. وإحدى النتائج المباشرة لذلك، تغيير الاستخلاصات التي قد ترسمها الاختبارات التّشخيصية للنمو. 

فيما مضى، كان هناك اعتقاد رائج يقول إننا باستعمال الاختبارات، فإننا نحدد مستوى النمو العقلي. وفي ضوء ذلك، يجب على التربية أن تحدد ما ستضعه في اعتبارها، وأن تحدد ماهية الحدود التي لا ينبغي تجاوزها. هذا إجراء يوجه التعلم نحو نمو الأمس، نحو مراحل نمو اكتملت أصلاً. لقد اكتُشف خطأ هذه النظرة مبكراً بالممارسة ثم بالنّظرية. وقد ظهر ذلك بشكل أكثر وضوحاً في تعليم الأطفال المتخلّفين عقلياً. لقد رسخت الدّراسات بأن الأطفال المتخلّفين عقلياً ليسوا قادرين على التفكير المجرد. ومن هنا، فإن بيداغوجيا المدرسة الخاصّة رسمت استخلاصاً صحيحاً بأن كل تعليم لمثل هؤلاء الأطفال يجب أن يكون مستنداً إلى استعمال مجسد: أنظر- واتبع الطريقة. ولحد الآن، فإن خبرة لها مكانتها عبر هذه الطريقة نتجت عن تحرر من الوهم. لقد ظهر أن نظام تدريس مستند فقط إلى المجسد يستبعد من التعليم كل شيء مرتبط بالتفكير المجرد، لن يفشل فقط في مساعدة أطفال متخلّفين ليتغلّبوا على عوائقهم الفطرية، ولكنه يرسّخ عوائقهم أيضاً بتعوّد الأطفال على التفكير المجسد، وهكذا تُقمَع أساسيات أي تفكير مجرّد ما زال هؤلاء الأطفال يمتلكونه. بالضبط، لأن الأطفال المتخلّفين، عندما يتركون لأنفسهم، فإنهم لن ينجزوا أبداً أشكالاً متوسّعة من التفكير المجرّد، ويجب على المدرسة أن تقوم بكل جهد لدفعهم في ذلك الاتجاه، وأن تنمي فيهم، بشكل جوهري، ما ينقص نموهم الخاص. في الممارسات الحالية للمدارس الخاصّة بالأطفال المتخلّفين، يمكننا أن نلاحظ تحولاً مفيداً يبتعد عن مفهوم التجسيد، ويعوض - أنظر- واتبع الطريقة، إلى دور مناسب أفضل، وهنا فإن التجسيد سيبدو الآن كضرورة يستحيل تجنبها كحجر زاوية لتنمية التفكير المجرد، وكوسيلة، ولكن ليس كنهاية في ذاتها.

 وبصورة مماثلة، لدى الأطفال الطّبيعيين، فإن التعلّم الموجه نحو مستويات نمو تم تحقيقها أصلاً يعجز عن رؤية النمو الكلي للطفل. فهو لا يبتغي مرحلة جديدة من عملية النمو، وأكثر من ذلك فهو يتخلف عن هذه العملية ويعيقها. ولذا، فإن مفهوم منطقة النمو الممكنة تمكّننا من اقتراح صيغة جديدة، تعني أنَّ "التعلم الجيد" هو فقط ذلك التعلم الذي يرتقي بالنمو.

إن اكتساب اللّغة يمكن له أن يقدِّم لنا مثالاً لكل مشكلة العلاقة ما بين التعلم والنمو. تنهض اللّغة بشكل أولي كوسيلة اتصال بين الطّفل والناس في بيئته. وفقط بعد ذلك، تتحول إلى كلام داخلي، تأتي لتنظّم تفكير الطّفل، وتغدو وظيفة عقلية داخلية. لقد رأى بياجية (Piaget ) وآخرون بأن التعليل يحدث لدى مجموعة من الأطفال كمجادلة تتطلع إلى برهنة وجهة نظر المرء قبل تحققها كنشاط داخلي يبرز خاصية أن الطّفل قد بدأ بإدراك أساس تفكيره وتأكيده. مثل هذه الملاحظات حثّت بياجية على الاستنتاج بأن الاتصال يُنتج الحاجة لفحص الأفكار وتأكيدها، وهي العملية التي هي خاصية تفكير الكبار. وبالطريقة نفسها، فإن الكلام الدّاخلي والتفكير التأملي ينهضان من خلال التّفاعلات ما بين الطّفل وبين الأشخاص في محيطه، وهذه التّفاعلات تقدّم لنا مصدر نمو سلوك الطفل الإرادي. وقد أبان بياجية أن التّعاون يقدّم قاعدة لنمو حكم الطفل الأخلاقي. وقد أسس بحث مبكرٌ بأنّ الطفل يصبح أولاً قادراً على إخضاع سلوكه لقوانين لعب المجموعة، وبعد ذلك فقط يقوم بوضع تعليمات ذاتية إرادية للسّلوك وتظهر كوظيفة داخلية.

هذه الأمثلة الفردية تصوّر قانون نمو عام للوظائف العقلية الأعلى التي نشعر بإمكانية تطبيقها بمجموعها في عمليات تعلم الأطفال. ونقترح قائلين بأنّ خلق منطقة نمو مجاورة هي خاصية أساسية للتعلم؛ فالتعلّم يوقظ تنويعة من عمليات النمو الدّاخلية التي يمكنها العمل فقط حينما يتفاعل الطفل مع الناس في بيئته وعبر التّعاون مع نظرائه. وحينما تُذَوَّتُ هذه العمليات، فإنها تغدو جزءاً من إنجاز نمو مستقل للطفل.

ومن وجهة النظر هذه، فالتعلم ليس نمواً؛ على أية حال، إن نتائج تعلم منظم في النمو العقلي كما ينبغي، واستدعاء تنويعة من عمليات النمو يستحيلُ فصلها عن التّعلم، ولذلك، فالتعلم هو ضرورة وهو مظهر شامل لعملية نمو تنتظم ثقافياً، وبشكل محدد الوظائف الإنسانية النفسية. 

وبغية الإجمال، فإن الخاصية الأكثر جوهرية لفرضيتنا تتمثل في التّصوّر القائل بأن عمليات النمو لا تتزامن مع عمليات التعلم. بالأحرى، بل تتخلّف عملية النمو عن عملية التعلم؛ إن هذا التعاقب ينتج في مناطق النمو المجاورة. وتحليلنا يعدّل النظرة التّقليدية الراهنة بأن الطفل يستوعب معنى كلمة، أو يتقن عملية مثل الجمع أو الكتابة، وبأن عمليات النمو الخاصة بالطفل قد اكتملت أساساً. في الحقيقة، لقد بدأت لديهم الرغبة فقط في تلك اللّحظة. والنّتيجة الرّئيسية لتحليل العملية التّربوية بهذا الأسلوب هي لتبيان أن البراعة الابتدائية، مثلاً، في العمليات الحسابية الأربع تمنحنا قاعدة لنمو لاحق لتنويعة العمليات الدّاخلية في تفكير الأطفال والمعقّدة إلى حد كبير.

فرضيتنا تؤسّس الوحدة، ولكنها لا تؤسس هوية عمليات التعلم وعمليات النمو الدّاخلية. إنها تفترض بأنّ إحداهما تتحول إلى الأخرى. إذن، فإنه يغدو أمراً ذا أهمية للبحث النّفسي أن يرينا كيف يمكن تذويت معرفة الطفل الخارجية وقدراته.

فالاستقصاءُ يَستكشف بعضاً من الواقع. وهدف التّحليل النّفسي للنمو هو وصف العلاقات الدّاخلية للعمليات الثّقافية التي يوقظها التعلم المدرسي. ومن هذا الوجه، فإن تحليلاً من هذا النوع سيوَجه داخلياً، وهذا مماثل لاستعمال الأشعة السينية. إذا كان ناجحاً، فإنه يجب أن يكشف للمعلم كيف أن عمليات النمو تُحفّز بمسار التعلم المدرسي المحمولة داخل رأس كل طفلٍ فردٍ. إنّ كشف شبكة النمو الداخلية الخفية لموضوعات المدرسة هو مهمةٌ ابتدائية ذات أهمية بالغة للتحليل النّفسي والتّربوي.

والخاصية الجوهرية الثانية لفرضيتنا تتمثل في أن مفهوم التعلم يرتبط بشكل مباشر بمسار نمو الطفل، وكلاهما لا يتمانِ بمقياسٍ متساوٍ أو متوازٍ. فالنمو لدى الأطفال لن يعقب التعلم المدرسي كتبعية الظل لصاحبه. في الحقيقة، فإن هناك علاقات دينامية معقّدة إلى حد كبير بين النمو وعمليات التعلم التي لا يمكن تطويقها بصيغة افتراضية ثابتة.

إن كل موضوع مدرسي له علاقته المحدّدة الخاصة بمسار نمو الطّفل، وهذه العلاقة تتغير كلما انتقل الطّفل من مرحلة إلى أخرى. وهذا يقودنا مباشرة إلى إعادة فحص مشكلة العلم الرسمي لتحديد مغزى كل موضوع من وجهة نظر النمو العقلي الشامل. وبوضوح، فإن المشكلة لا يمكن حلها باستعمال صيغة واحدة؛ فالبحث الشامل والمتنوع المستند إلى مفهوم منطقة النمو الممكنة ضروري لحل هذه المسألة.

*** 

ت: وسيم الكردي

هذا النص هو ترجمة لـ:

ZONE OF PROXIMAL DEVELOPMENT: A NEW APPROACH

Vygotsky

من كتاب

Mind in Society