إذا كانَ التَّلَفُّظُ هوَ الذي يمَنحُ الكلمةَ معنَاها، فهوَ، جوهريَّاً، فِعلٌ سيَّاقيٌّ، والسياقُ ينقسمُ إلى نوعين: سياقٌ واقعيٌّ وسياقٌ مُتَخيَّلٌ، ولكلٍّ مِنَ السياقَينِ طبيعتُهُ وسماتُهُ الخاصَّةُ، غيرَ أنَّهُ في الوقتِ نفسِهِ لا يستطيعُ أحدُهُما أنْ ينوجدَ دونَ الآخَرَ، فالواقعيُّ يمنحُ التَّخَيُّلِّيَّ طاقتَهَ كي يصيرَ حيويَّاً (ديناميكياً)، والمتَخيَّلُ يمنَحُ الواقعيَّ طاقتَهُ في الحفرِ في واقعِيَّتِهِ واستكشافِ طبقاتِهِ واتجاهاتِ فعلِهِ؛ فالواقعُ يحيلُ إلى الخيالِ كما يحيلُ الخيالُ إلى الواقعِ أيضاً.
والدراما مِنْ حيثُ هي فعلٌ تخييليٌّ، فهي مُستَمَدَّةٌ مما هوَ واقعيٌّ، وهيَ استحضارٌ لسياقٍ مُتخيَّلٍ مُستوحَى بصورةٍ ما من الواقعِ الذي يُشكِّلُ المادةَ الأساسيَّةَ لأيِّ تَخَيُّلٍّ، "السياقُ التَّخيُّلّيُّ هوَ مُشتَقٌّ من سياقٍ واقعيٍّ"(O’Toole, 1992 : 51).
وَلِكَي تَكونَ الدراما فاعِلةً، فهيَ بحاجةٍ إلى أنْ تَستندَ إلى استكشافِ الواقعِ الذي تَنطلقُ منهُ، فهيَ تحاولُ مُساءَلَةَ الواقعِ واختبارَ إمكاناتِهِ أيضاً، وهذهِ العمليةُ هيَ عمليةٌ إدراكيَّةٌ، وهذا الإدراكُ هوَ الذي يَستطيعُ التمييزَ بينَ ما هوَ واقعيٌّ ومَا هوَ مُتخيَّلٌ، "إنَّ خلفيةَ أيَّةِ دراما هيَ أنَّ المُشاركينَ فيها يَمتَلكونَ سياقَهُم الحَقيقيَّ" ( 1992 : 48).
تَرتبطُ الدراما بالمعرِفَةِ ارتبَاطاً وثيقَاً، فهيَ فعلٌ إنسانيٌّ حيويٌّ، يَنْهَلُ مِنَ المعرِفَةِ الإنسانيَّةِ المُنْجَزَةِ أو الراهِنَةِ التي تَتَشَكَّلُ وَيُضيفُ إليها، "فالدراما نَشاطٌ مَعرفيٌّ واعٍ، حَرَكيٌّ، جماعيٌّ، تمثيليٌّ – فهيَ نشاطٌ يَسْتَحْضِرُ تجربَةً ماضيةً استحضاراً واعياً مُصْطَنَعاً أو قدْ يُجُسِّدُ رؤيةً افتراضيَّةً في شكلٍ مَحْسُوسٍ،... ويَتَتَبَّعُ مَسارَ الصراعِ في مراحلِ احتدامِهِ وتأزمِهِ ثم انفراجِهِ سواءٌ عن طريقِ المُصالحَةِ أو الفصلِ بينَ قُوى الصراعِ" (صليحة، 1985 : 19). والمسرحُ "يُري الحياةَ في فعلِها؛ وكيفَ يملأُ الناسُ الأحيازَ ما بينَ أنفسِهِم والآخَرينَ" (Heathcote, 1984:202).
وَمَعَ أنَّ الدراما والمسرحَ هُمَا إنتاجٌ لعلاقاتٍ مُتَخيَّلَةٍ بينَ آخَرينَ، ومبتَكَرَةٍ مِنْ قِبَلِ آخرينَ، فإنَّ سُؤالاً لا زالتْ إجابَتُهُ مُعلَّقَةً على نحوٍ مَا؛ وهوَ: هَلْ الحوارُ في الدراما والمَسرحِ حِواريٌّ؟ قد يبدو غَريباً طرحُ السؤالِ على هذا النحوِ، إذْ أنَّ أيَّةَ دراما لا تستطيعُ أنْ تقومَ دونَ حوارٍ، فهوَ أحدُ عناصرِهَا الأساسيَّةِ المُكَوِّنَةِ، فيَتخِذُ الحوارُ، بمعنَاهُ العامُّ، في النصِّ الدراميِّ مَكانةً لها أهميَّةٌ بَالغةٌ في تحديدِ طبيعةِ الفِعْلِ ومكانِهِ وحضورِ الشخصيَّةِ الدراميَّةِ فيه، وهوَ يتطلَّبُ دائماً وجودَ شَخصيَّتين، على الأقلِّ، تتحاورانِ وتتفاعلانِ معاً (هُنا والآنَ) فالحوارُ "يُبنى كمنظومةِ تَكَلُّمٍ تَتَابعيَّةٍ (بالدورِ)؛ شخصيَّةٌ تُخَاطِبُ شخصيَّةً أُخرى تَستَمِعُ لها، ومِنْ ثمَّ تجيبُ، فتغدو هيَ المُتَكَلِّمَةُ. إنَّ هذهِ الثنائيَّةَ التفاعليَّةَ (مُتَكَلِّمٌ - مُسْتَمِعٌ) هيَ أسلوبٌ أساسيٌّ في الحوارِ الدراميِّ" (Aston & Savana, 1998:52).
إلا أنَّ (باختين) في مُعَالَجَتِهِ التحليليَّةِ لروايةِ (ديستوفسكي) يُؤَكِّدُ على حِواريَّةِ الرِّوايةِ، وعدمِ حواريَّةِ الدراما أو الشعر. إنَّ هذهِ الإشكاليَّةَ تستدعي النَّظَرَ فيها منْ زوايا ثلاثٍ؛ الأولى: إنَّ أعمالَ (باختين) يجب أن تُقرَأَ في سياقِها التَّاريخيِّ؛ فحينَما كانَ يُؤكِّدُ على حِواريَّةِ الروايَّةِ كانَ ذلكَ أيضاً جزءاً من حوارِهِ المُباشِرِ مَعَ (لونا تشارسكي) (Lunacharsky) وغيرِهِ مِنَ النُّقادِ في ذلك الوقتِ، فقدْ كانَ ذلكَ مِنْ قَبيلِ "تمجيدِ (باختين) للروايةِ" كجزءٍ منْ استراتيجيَّةٍ بلاغيَّةٍ مُعقَّدَةٍ صُمّمتْ لمواجهةِ قُرونٍ منْ مَيْلِ النقدِ القديمِ إلى اعتبارِ الرِّوايةِ كتابعٍ أو حتى كنوعٍ أدبيٍّ فَرعيٍّ (Keith Booker & Dubravka, 1995 : 15). وتتمثلُ الزاويَةُ الثانيَّةُ في الرجوعِ إلى (باختين) نفسِهِ، ولكنْ، هذه المَرَّةَ، من خلالِ (تودوروف) الذي درسَهُ بصورةٍ معمَّقَةٍ؛ لقد اقتبسَ منْ (باختين) نصَّاً وردَ في دراسةٍ لَهُ هيَ "الخطابُ في الحياةِ والخطابُ في القصيدةِ" يقولُ فيِهِ: "الخِطابُ بطريقةٍ ما هوَ "سيناريو" لحدثٍ مُحَدَّدٍ. إنَّ الفهمَ الحيَّ لمعنى كاملٍ للخِطابِ يجبْ أنْ يُعيدَ إنتاجَ الحدثِ بعلاقاتٍ مُتبَادَلَةٍ ما بينَ المُتكلِمين؛ يجبْ أنْ "يُلْعَبَ" مرَّةً أُخرى، والشخصُ الذي يُمارسُ الفهمَ يأخذُ دورَ المُستمعِ. ولكنْ لِكي يلعبَ هذا الجزءَ، فَعليهِ أنْ يفهمَ أيضاً، بوضوحٍ، مَوقعَ المشارِكينَ الآخَرِينَ"(Todorov, 1984, 47).
وَيُعلِّقُ (تودوروف) عَلى هَذا النَّصِّ في إطارِ شَرحِهِ لوظيفَةِ التَّلَفُّظِّ عندَ (باختين)، فَيقولُ: "حتَّى التَّلَفُّظّ الأكثَر بساطةً الذي يُرَى بعينَي (فولوشينوف/باختين)، يُظْهِرُ دراما صغيرةً، فيها أدوارُ الحدِّ الأدْنى: المتكلِّمُ، المَوضوعُ، المُستَمِعُ. إنَّ العُنصرَّ اللفظيَّ، دائماً، هوَ الشبَكةُ التي تَلعبُ الدراما عبْرَها، أو كَما يُعبِّرُ عنْ ذلكَ بوصفِهِ: السيناريو " Scenario" ( 1984, 47). وَعلى الرغمِ منْ أنَّ تعبيرَ (سيناريو) يَنحو باتجاهِ عالمِ السينَما إلا أنَّهُ في جوهَرِهِ إنتاجٌ في عالمِ الدراما، ليسَ فقطْ لأنَّ السينما هيَ تشكيلٌ دراميٌّ بل أيضاً لأنَّ "مسارَ أو خلاصةَ المسرحيَّةِ/السيناريو هوَ جوهريٌّ في الدراما" ( Moorthy, 1996).
وسواءٌ أكنَّا نَتحدثُ عن الروايةِ، أم المسرحِ، أم الدراما، أم السيناريو، أم القصيدة... أم عن أيِّ شكلٍ فنيٍّ آخرَ منْ أنواعِ الكَلامِ، فإنَّ حواريَّتَهُ ليستْ متَّصلةً بنوعِهِ (genre ) وحسب؛ فالنوعُ لَهُ أهميَّةٌ كبيرةٌ، ولكنَّهُ ليسَ حاسماً في إنتاجِ تَلَفُّظٍ حواريٍّ. وهذا يُعيدُنا مرةً أُخرى إلى مُعالجةِ موضوعةِ التَّلَفُّظِ من جذرِهَا، ومَعَ ذلكَ، فإنَّ ذلكَ يبدو ضرورياً، حيثُ لا يمكنُنا الوصولُ إلى غايتِنا المتمثِّلَةِ باستكشافِ طبيعةِ التَّلَفُّظِ وُمُناخاتِ إنتاجِهِ ومَدى حواريَِّتِهِ دونَ ذلكَ. "فكلُّ جُملَةٍ، وكلُّ تَلَفُّظِ، هُما في الوقتِ نفسِهِ فِعلٌ؛ الفعلُ الذي يُفصِّلُ التَّلَفُّظَ. وعلاوةً على ذلكَ، فإنَّهُ لا وجودَ لِتَلَفُّظٍ غيرِ قابلٍ لأنْ يُعْرَضَ. (De Toro, 1995 :25) فالتَّلَفُّظُ، إذنْ، هوَ فعلٌ أدَائيٌّ، والدراما فعلٌ أدَائيٌّ أيضاً، وَكِلاهما يندرجُ في عالمِ الأنواعِ الكلاميَّةِ، والدراما لا تستطيعُ التَّخَلُصَ من التَّلَفُّظِ تماماً، "... في المسرحِ، أنْ تتكلمَ يعني أنْ تفعلَ (تُمَثِّلَ) وأنْ تفعلَ (تُمَثِّلَ) يعني أنْ تتكلمَ" (1995 :11).
ولذلكَ، فإنَّ إمكانيَّةَ أن تكونَ الدراما حواريَّةً أمرٌ ممكنٌ خصوصاً إذا مَا وصلنَا إلى الزاويةِ الثالثةِ التي ستُعيدُنَا إلى (باختين) نفسِهِ، ولكنْ هذِهِ المرَّةَ إلى أعمالِهِ المُتأخرةِ، وبخاصةٍ تلكَ التي يُرَكِّزُ فِيها على الأسلوبيَّةِ (stylistic) في إنتاجِ الحواريَّةِ، وبخاصةٍ في كتابهِ المُسمَّى "الأنْواعُ الكلاميَّةُ ومقالاتٌ أُخرى متأخرةٌ" فهو يَرى بأنَّ كلَّ أسلُوبٍ تَلازُّميٍّ مُتَّصِلاً بالتَّلَفُّظِ وبالأشكالِ النموذجيَّةِ للتَّلَفُظاتِ هوَ نوعٌ كلاميٌّ؛ فأيُّ تَلَفُّظٍ كتابيٍّ أمْ شفويٍّ، أساسيٍّ أمْ ثانويٍّ، وفي كلِّ مجالاتِ الاتصَالِ، هو تَلَفُّظٌ فَرْدِيٌّ؛ لذلكَ يمكنُ لهُ أنْ يعكسَ فرديَّةَ المُتَكلِّمِ أو الكاتِبِ. ولكنْ ليستْ كلُّ هذهِ الأنواعِ التواصليَّةِ قادرةً على أنْ تعكسَ فرديةَ المُتكلِّمِ بالدرجةِ نفسِهَا. إنَّ أكثرَ هذهِ الأنواعِ قدرةً على عَكْسِ فرديَّةِ المتكلِّمِ وإنتاجِ أسلوبهِ الخاصِّ هي تلكَ الأنواعُ التي تندرجُ في إطارِ التواصلِ الأدبيِّ الفنِّيِّ. وهذهِ الأنواعُ الأدبيةُ الفنيةُ أيضاً لا تقومُ على الدرجةِ نفسِها منْ عكسِ الفردانيَّةِ؛ ففيها أيضاً مستوياتٌ ومظاهرُ متعددَّةٍ من الفردانيَّةِ. أمَّا أقلُّ هذه الأنواعِ قُدرةً على عكسِ الفردانيَّةِ فهو أنواعُ الكلامِ القياسيَّةِ (standard speech genres) كالأوامرِ العسكريةِ، ووثائقِ العملِ، والتعبيراتِ الإشاريَّةِ اللفظيَّةِ الجاهزةِ التي تُستخدَمُ في الصناعةِ مثلاً؛ ففي هذه الأنواعِ تَنعكسُ الصُوَرُ الأكثرُ سطحيَّةً للفرديَّةِ التي تَقتربُ كثيراً من المظاهرِ البيولوجيَّةِ الفرديَّةِ فقطْ، وبخاصةٍ فيما يَتعلق بالتصريحاتِ اللفظيَّةِ الشفويَّةِ لهذهِ الأنماطِ القياسيَّةِ للتَلَفُّظاتِ(Bakhtin, 1986: 63).
الديالوجيُّ والمونولوجيُّ
إنَّ التعريفَ الحرفيَّ المباشرَ لتعبيرِ (مونولوج) يحيلُ إلى ذلكَ النصِّ الطويلِ الذي تقولُهُ شخصيَّةٌ واحدةٌ سواءٌ أكانَ نصَّاً مسرحيَّاً قصيراً مُتكاملاً أم كانَ نصَّاً طويلاً تقولُهُ شخصيَّةٌ مُفردةٌ بشكل منفردٍ ضمنَ عملٍ مسرحيٍّ لذاتها أو لمستمعين. ويتَّخذُ (المونولوج) في النصوصِ المسرحيَّةِ أشكالاً عديدةً، فإمَّا أنْ يكونَ حديثَ الشخصيَّةِ لنفسِها أو حديثَها للجمهورِ كفعلٍ تَجَنُّبيٍّ (ِaside) أو أنْ يكونَ مونودراما (دراما الممثلِ الواحدِ) أو أنْ يكونَ مُناجاةً فرديَّةً (Soliloquy) أو أنْ يكونَ مونولوجاً درامياً في قصيدةٍ مثلاً حيثُ مُتَكَلِّمٌ مُتخيَّلٌ يتوجهُ إلى مُستمعين مُتخيَّلينَ إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الأشكالِ التي يتشكَّلُ بها أو يُعرَضُ بها (فرحات، 1997 :23-24). ولأنَّ هذا التعبيرَ يحيلُ في العادةِ إلى مَا تقولُهُ شخصيَّةٌ مُفردةٌ فقدْ كانَ مُقابلاً لتعبيرِ حوارٍ (ديالوج) الذي يشيرُ إلى الكلامِ الذي يجري بيَن أكثر منْ شخصيَّةٍ. إنَّ اتخاذَ (باختين) لتعبيرِ (ديالوجي) مُستَلاً منْ (ديالوج) و(مونولوجي) مُستَلاً منْ (مونولوج) يبدأُ من هذينِ التعريفينِ السابقينِ لهما، لكنَّهُ لا يتوقفُ عندَ ذلكَ بل يرى بأنَّهما يتخذانِ أبعاداً جديدةً تُحَمِّلُ هذينِ التعبيرينِ دلالاتٍ جديدةً متشابكةً وأكثرَ تعقيداً، ولذلكَ فإنَّ الحوارَ لن يعنيَ دائماً أنَّهُ ذو طبيعةٍ حواريَّةٍ متعددةِ الأصواتِ، وأنَّ المونولوجَ لا يعني دائماً أنَّهُ ذو صوتٍ واحدٍ. فقدْ يكونُ ما يبدو حوارياً في ظاهرِهِ مونولوجيَّاً في جوهرِهِ، وما قدْ يبدو مُونولوجيَّاً في ظاهرِهِ سيكونُ حواريَّاً في جوهرِهِ، وليسَ أدلُّ على ذلكَ ما افترضَهُ اتجاهَ أعمالِ الروائيِّ الروسيِّ (تولستوي).
فتعبيرَ "ديالوجيّ – حِواريّ" يحيلُ أولَّ ما يحيلُ إلى تعبيرِ "مُونولوجيّ – حديثٍ داخليٍّ" كتعبيرٍ مُقابِلٍ أو مُضادٍ، ولكنَّ (باختين) يُوظِفُ تعبيرَ "حواريّ" في سياقٍ أكثرَ اتساعاً مما قدْ يشيرُ إليهِ هذا التعبيرُ للوهلةِ الأُولى، وبالتالي، فإنَّ "المونولوجيَّ" قد يكونُ حِوارياً أيضاً؛ لأنَّ فيهِ بُعداً تناصيَّاً. لقدْ رأى (باختين) ذلكَ في كتاباتِ (تولستوي) بعدَ أنْ كانَ قدْ وسمَهُ بالمونولوجيَّةِ في مرحلةٍ مُبكرةٍ، حينها كانَ قدْ رأى بأنَّ عَالَمَ (تولستوي) هوَ عالَمٌ مُونولوجيٌّ، فعالَمُه يقتصرُ على إبرازِ صوتٍ واحدٍ هوَ صوتُ المؤلِفِ فقطْ. ثمَّ عادَ بعدَ سنواتٍ إلى القولِ بأنَّ عالَمَ (تولستوي) هوَ عالَمٌ يتَّسِمُ بحواريَّةٍ داخليَّةٍ شفافةٍ (Todorov, 1984 :63).
ولإقامةِ الفرقِ بينَ المونولوجيِّ والحواريِّ، يغدو ضروريَّاً تبيانُ التصنيفِ الذي يضعُهُ (باختين) في هذا الإطارِ؛ فبالنسبةِ لَهُ، يتضمنُ الخطابُ المونولوجي كُلاً مِنَ: أ – الملحمةِ. ب- الخطابِ التاريخيِّ. ج- الخطابِ العلميِّ. ففي هذهِ الأنواعِ الثلاثةِ يُذْعِنُ الموضوعُ لدورِ الأنا ويفترِضُهُ. وعلى الرغمِ منْ أنَّ الحواريَّ متأصلٌ في اللغةِ ذاتِها، وبالتالي في كلِّ الخطاباتِ إلا أنَّهُ يختنقُ بواسطةِ النهيِ والرقابةِ والحظرِ. الخطابُ الملحميُّ هو (نهيٌ)، وبالتالي فهوَ مونولوجيٌّ، لأنَّ تبعيةَ الشفرةِ (code) فيهِ تعودُ للأنا، وهو يَدَّعي بأنَّهُ يحملُ ما يقولُهُ اللهُ، وكأنَّ قولَ الأنا الإنسانيَّةِ مُنزَّهٌ، وليسَ تأويلاً إنسانيّاً لما يقولهُ المنَزَّهُ. لذلكَ، فالملحمةُ هي دينيةٌ ولاهوتيةٌ؛ وكلُّ سردٍ يرى في نفسِهِ أنَّهُ هو الواقعُ والحقيقةُ هوَ سردٌ مُونولوجيٌّ، وما يُسمى بالروايةِ الواقعيَّةِ هوَ مَيْلٌ للانخراطِ ضمنَ هذا الفضاءِ. أمَّا الخطابُ الديالوجيُّ فيتضمنُ : أ- الكرنفاليَّةَ. ب- خطاباتِ المنيبيين. ج- الروايةَ متعددةَ الأصواتِ (البلوفونية) التي تتسمُ في بنيتِها بأنَّها في كتابتِها تَقرأُ كتاباتٍ أُخرى، وتَقرأُ ذاتَها، وتبني نفسَها عبرَ عمليَّةِ تكوينٍ تقويضيٍّ. ويرى (باختين) بأنَّ الخطابَ الوحيدَ المتكاملَ الذي يحقِّقُ الحواريَّةَ هوَ الكرنفالُ. فهو يتحقَّقُ عبرَ تبني حلمٍ ينتهكُ أنظمةَ الشفرةِ اللغويَّةِ والمبادئَ الاجتماعيَّةَ أيضاً. وهذا الانتهاكُ لِلُّغويَّةِ والمنطقيَّةِ والشفرةِ الاجتماعيَّةِ ضمنَ الكرنفاليَّةِ ينوجدُ وينجحُ فقطْ لأنَّهُ يقبلُ قانوناً آخرَ هوَ الحواريَّةُ. وفي ضوءِ ذلكَ فإنَّ الروايةَ التي تَدمجُ بنيةً كرنفاليةً فيها تُسمى روايةً متعددةَ الأصواتِ (Todorov, 1984 :18).
تتمثلُ النتيجةُ هُنا في أنَّ المونولوجَ يُقدِّم نفسَهُ على أنَّهُ المطلقُ المتكاملُ والنهائيُّ، وفي هذا الصددِ يقولُ (باختين) أنَّ "المونولوجَ مكتملٌ، وهوَ أصمٌّ فلا يسمعُ استجابةَ الآخرِ، ولا ينتظرُها ولا يمنحُها أيَّةَ قوةٍ حاسمةٍ. يتحققُ المونولوجُ دونَ الآخرَ، لذلكَ، فهوَ يجعلُ كلَّ واقعٍ ماديَّاً إلى مدىً ما. فالمونولوجُ يزعمُ أنَُّه هوَ الكلمةُ الأخيرةُ" Bakhtin,1984 [1961]:318)
وَمنَ المفيدِ الإشارةُ هُنا، وفي ضوءِ ما سبقَ ذكرُهُ، إلى أنَّ مفهومَ الحواريَّةِ في السّياقِ الذي نَتحدثُ فيهِ لا يَعني فقطْ ذلكَ الكلامَ "الحوارَ" الذي يَتمُّ فيه تبادلُ حديثٍ بينَ شخصياتٍ بلْ في أنْ يكونَ هذا الكلامُ حوارياً أيضاً، ولكي لا نتركَ الأمرَ مُلتَبساً، فقد عملَ (باختين) في مجالِ تحديدِهِ لطبيعةِ الحوارِ الحواريِّ على تحديدِ المُؤهلاتِ التي تجعلُه كذلكِ، وحدَّدَ خصائصَهُ، "في الحقيقةِ، فإنَّ أيَّ خطابٍ ملموسٍ (تَلَفُّظٍ) يجدُ غايتَهُ، وكأنَّهُ، إذا جازَ التعبيرُ، مُكْتَسٍ بالمُؤهلاتِ، مُنْفَتِحٌ على التَعارُضِ، مَشحونٌ بالقيمةِ، مُغلَّفٌ بحُجُبٍ شفَّافةٍ، أو على العَكسِ، مُغلَّفٌ بـ"ضوءِ" الكلماتِ الأجنبيَّةِ التي قِيلتْ حَولهُ. إنَّهُ مُتشابكٌ، ومُخْتَرَقٌ بأفكارٍ عامَّةٍ، ووجهاتِ النظرِ، وأحكامِ قيمةٍ بلهجاتٍ ذاتيَّةٍ وأجنبيَّةٍ، يتحركُ جيئةً وذهاباً في العلاقاتِ الداخليَّةِ المُعقّدةِ، يندمجُ مَعَ بعضِها، يرتَدُّ عنْ غيرِها، يتقاطعُ معَ مجموعةٍ ثالثةٍ، وكلُّ هذا قد يُشكِّلُ قَسَمَاتِ الخِطابِ بشكلٍّ حاسمٍ، وقدْ يتركُ أثراً في كلِّ طبقاتِهِ السيمانطيقية (semantic)، وقد يُعَقِّدُ تعبيرَهُ، ويؤثّرُ على كلِّ ما يُكوِّنُ مظهرَهُ الأسلوبيَّ"( Bakhtin, 1981: 276) .
وإذا أردْنا رَسمَ صورةٍ تقابليَّةٍ تُضيءُ هذا التَعريفَ، فيمكنُ استعرَاضُ عددٍ منَ السِماتِ المتقابلةِ لكلٍّ منَ الحواريِّ والمونولوجيِّ، فالموازنة بينهما هيَ موازنةٌ ما بينَ مُتضادينِ، فبضدِّها تتميزُ الأشياءُ:
إنَّ هذهِ الخصائصَ هي التي تُؤِّهِلُ التَّلَفُّظَ وتجعلُه حواريَّاً، وبالتالي، فإنَّهَا تجعلُ الحوارَ، كَتَلَفُّظٍ، حواريَّاً أيضاً. وإذا نَظرْنا في هذهِ الخصائصِ مُنفردةً أو مُجتمعةً، فإنَّنا سَنجدُ بأنَّها تنشأُ حينما تتناقصُ العناصرُ المحايدةُ التي لا تندمجُ في الحوارِ) Bakhtin, 1981: 158) وتزدادُ العناصرُ المنحازةُ، وفي هذهِ الانحيازاتِ انزياحٌ عنِ الصوتِ الواحدِ إلى أصواتٍ مُتعددةٍ بحيثُ أنَّ منشئَ الحوارِ لا يَسْتَأصِلُ منْ كلامِهِ نَوايا الآخَريِنَ، ولا يُلغي منظوراتِهِمْ المُنبَنِيَةِ على خلفياتِهمْ وعوالمِهمْ الاجتماعيَّةِ والأيديولوجيَّةِ، بلْ إنَّها تجدُ لها مكانَهَا أيضاً ضمنَ كلامِهِ الحواريِّ، ولكنَّ الأمرَ يتجاوزُ ذلكَ حينَ يكونُ الحديثُ عن حواريَّةِ العَمَلِ الروائيِّ (الذي يعتبرُهُ (باختين) الأكثرَ حواريَّةً) ففيِهِ تَكتظُّ الروايةُ بنَوايا الآخريِنَ، ويُرغِمُها الروائيُّ على أنْ تخدمَ غاياتِهِ ونواياه هوَ، وبالمقابلِ فإنَّ نوايا الروائيِّ أيضاً تَنكسرُ، وتحتَ زوايا مُتعددَةٍ، بناءً على طبيعةِ كلامِ الآخريِنَ الغريبِ الأجنبيِّ (Bakhtin، 1985 : 157).
إنَّ مَعنى التَّلَفُّظِ لا يكتَمِلُ دونَ سياقِهِ الخاصِّ، سياقِهِ الواقعيِّ في حالةِ الكلامِ الواقعيِّ اليوميِّ، وسياقِهِ المتخَيَّلِ في الحالةِ الفنيَّةِ التي تَندرجُ فيها الدراما والمسرحِ كفنَيينِ. أمَّا الآنَ، فيمكنُنا الدخولُ إلى عالمِ الدراما عبرَ طريقٍ أكثر انجلاءً ووضوحاً، ويغدو ضرورياً الشروعُ في تناولِ موضوعِ السياقِ الواقعيِ والسياقِ المتخيَّلِ والعلاقةِ التي تَرتسمُ فيما بينَهما إذا ما أرَدنا الإفادةَ من آراءِ باختين نفسه في مجالِ التَّلَفُّظَات التي ينظرُ إليها "كَمرويَّةٍ"؛ و"على ما يَظهرُ، فإنَّ عجرفةَ (باختين) الطاردةَ لإمكانيَّةِ تعدديَّةِ الأصواتِ (البوليفونية) في الدراما يجبُ النظرُ لها في ضوءِ اقتراحاتِهِ الواردةِ في مواضعَ أُخرى، والمتمثِّلَةُ في أنَّ أيَّ نوعٍ يمكنُ أنْ تُبَثَّ فيهِ نفحةٌ حواريَّةٌ، ولذلكَ، فسيكونُ قابلاً لأنْ يكونَ مَرْوِّيَّاً (. (novelized" (Keith Booker & Dubravka, 1995 : 15).
الحِوارُ بيَن سِياقَينِ (واقعيٍّ وَمُتَخَّيَلٍ)
أيُّ عملٍ دراميِّ كفعلِ تَلَفُظٍ، وكتَلَفُّظٍ فعليٍّ (action) يقومُ أساساً على سياقٍ واقعيٍّ، ويَستمدُّ وجودَهُ منْ ذلكَ الواقعِ؛ فالناسُ الذينَ يعملونَ في حقلِ الدراما، وفي مجالاتِ عملِهِم المختلفةِ فيها، إنَّما يُؤَسِسُونَ عملَهُم على سياقٍ واقعيٍّ اجتماعيٍّ ثقافيٍّ وفكريٍّ وسلوكيٍّ وقيَمِيٍّ. ومنهُ يبدأونَ في إنتاجِ اللعبةِ الدراميَّةِ التي تتجهُ نحوَ سياقٍ تخيليٍّ. فالواقعُ بالنسبةِ للمشاركينَ في الدراما يتمثلُ في "ما نعرفُهُ كي يغدوَ حقيقياً" (O’Toole, 1992 :13) وبالتالي، فإنَّ الواقعَ هو ما نجلِبُهُ مَعَنا منْ خبراتٍ ومعارفَ وسلوكياتٍ إلى الدراما التي يَتِمُّ فيها بناءُ سياقٍ تخيليٍّ نتفقُ على تصديقِهِ، وخلالَ الدراما، فإنَّنا، في الحقيقةٍ، نعملُ في السياقين؛ السياقِ الحقيقيِّ والسياقِ التخيليِّ بصورةٍ متداخلةٍ، فيُؤثِرُ أحدُهما في الآخَرِ. (1992 :13) وما بينَ هذين السياقينِ تنشأُ بذورُ حوارٍ جديدٍ نتيجةً للتصادماتِ الجديدةِ الناشئةِ عنْ هذا التلاقي الجديدِ بين تَلَفُّظَاتٍ لها سياقاتُها الواقعيَّةُ والتخيليَّةُ السابقةُ وتَلَفُّظَاتٍ أُخرى لها أيضاً سياقاتُها الواقعيَّةُ والتخيليَّةُ السابقةُ، وكنتيجةٍ لهذا التصادمِ الذي قدْ ينشأُ عبرَ علاقاتِ القوَّةِ، فإنَّ تَلَفُّظَاً جديداً سَيَنشأُ، وستظهَرُ مَدى حواريَّةِ هذا الحوارِ بمَدى تجاذبِ عَلاقاتِ القوةِ بين أطرافِهِ. وكما كنَّا قد أشرنَا في موقعٍ سابقٍ إلى أنْ التَّلَفُّظَ هو نَصٌّ، فإنَّ نصَّاً جديداً سيظهرُ ويتفاعلُ معَ تلكَ النصوصِ الأُخرى/التَّلَفُّظَات الأُخرى التي تَجِدُ نفسَهَا في توترٍ جديدٍ، يقولُ (باختين) في حديثِهِ عنِ النَّصِّ بأنَّهُ: "هوَ ... فضاءٌ متعددُ الأبعادِ حيثُ أنَّ الكتاباتِ المتنوعةَ، لا واحدَ منها أصليٌّ، هي تتمازجُ، وتتََصادمُ. فالنصُّ نسيجٌ منَ الاقتباساتِ... والكاتِبُ يُحَاكي فقط الإيماءاتِ التي هيَ دائماً سابقةٌ، وليستْ أصليةً أبداً. قوتُهُ فقطْ في مزجِ الكتاباتِ، في وضعِ إِحداها في مُواجهةِ الأُخرى، بطريقةٍ لا تُريحُ أيَّاً منها" (Barthes, 1977 :146). إن النصَّ هوَ خطابٌ فرديٌّ، و "الكلامُ، جوهريَّاً، هو فعلٌ فرديٌّ من الانتخابِ والتحقُّقِ؛ يُصنَعُ في المقام الأول من "تَضَامِّ الامتناناتِ، حيثُ موضوعُ التكلُّمِ يمكنُ أنْ يوظِّفَ شِفرةَ اللغةِ مَعَ وجهةِ نظرٍ معبِّراً عنْ تفكيرِهِ الشخصيِّ (وهذا الكلامُ المُمتدُّ) يمكنُ أنْ يُسمى خطاباً."(Barthes, 1964) .
وهذا الخطابُ سيكونُ مَسكونَاً بعلاقاتِ القوَّةِ التي تنتجُهُ، ولأنَّ السِيَاقَ المُتَخَيَّلَ مُشْتَقٌّ منْ سياقٍ واقعيٍّ، فإنَّ المُشاركِينَ في إنتاجِهِ دراميَّاً إنَّمَا يأتونَ باللَّحظةِ أوِ اللحظاتِ منْ مكانٍ آخرَ أو زمانٍ آخرَ، ويُعيدونَ إنتاجَهَا، إنَّهمْ "يَلعبون" بما يستحضرونَهُ من سياقاتٍ، يعيدونَ تأويلَهَا واختبارَهَا، ويمنحونَ هذه السياقاتِ عناصرَ أُخرى، وَمُكَوِّنَاتٍ جديدةً، فتنبني سياقاتٌ مُبتكَرَةٌ. وضمنَ هذهِ العمليَّةِ، فإنَّهم يستكشفونَ تلكَ السياقاتِ التي يستحضرونَهَا، ولكنَّهم أيضاً يَربطُونَهَا بوعيٍ أو بلا وعيٍ بالواقعِ؛ فَمِنَ الواقعِ والخبراتِ الإنسانيَّةِ التي مَرّوا بها يُشكِّلونَ عدساتِ الرُؤيا التي يُوظفونَهَا في هذا الاستكشافِ. وهذا ما يُؤكدُ عليه (آدام شاف) في دراستِهِ عنِ (اللغة والواقع) "... إنَّ الفردَ يُدْرِكُ العالَم الخارجيَّ ويَتَعَقَّلُهُ منْ خلالِ (ما يَضَعُهُ منْ نظّاراتٍ على عينَيهِ) سواءٌ تَعَلَّقَ الأمرُ بما يتلقَّاهُ منْ آثارٍ مجتمعيةٍ في الوقتِ الراهنِ أمْ ما يتعلقُ بالخبراتِ المُتَرَاكِمَةِ عبرَ أجيالٍ غابرةٍ" (شاف، 2000 : 71) وعبرَ هذهِ الرُؤيا، فإنَّه يمرُّ بخبراتٍ جديدةٍ، وفي إطارِ هذهِ الخبرةِ الجديدةِ تتشكلُ مَعرفةٌ جديدةٌ وعلاقاتٌ جديدةٌ أيضاً.
تَحتاجُ إعادةُ إنتاجِ العلاقاتِ الواقعيَّةِ في سياقٍ تخيليٍّ فنيٍّ إلى إدراكٍ لكلٍّ منَ السياقينِ الواقعيِّ والمُتَخَيَّلِ، وفي الحالاتِ التي يمكنُ فيها لِمُنتِجِ الخطابِ الأدبيِّ الفنيِّ أنْ يقفَ خارجَ اللغةِ، وأنْ يراها في سيَاقَيْهَا الواقعيِّ والمُتَخَيَّلِ، فإنَّهُ يستَطيعُ أنْ يَنسُجَ كلاماً غيرَ مُحايدٍ، تماماً كما الواقعِ، وستَبدو كلماتُ هذا النسيجِ الفنيِّ مُتَّسِقَةً في ظاهرِهَا، لكنَّها في جوهرِها وفي علاقاتِها الداخليَّةِ ستكونُ مُفْعَمَةً بالتَّضادِ والتشاكسِ والاختِراقِ، فَهي مُبَعْثَرَةٌ، ومُتَّكِئَةٌ عَلى نَوايا الآخَرِينَ، ومُنَبَّرَةٌ، وهيَ، بالنسبةِ للوعيِ الذي يعيشُ في داخلِها، رُؤيةٌ مُتَعَدِّدَةُ اللِسانِ اتجاهَ العَاَلمِ. إنَّ جميعَ الكلماتِ تَستحْضِرُ مهنةً ما، جنساً تعبيرياً، نزعةً، عملاً أدبياً، جيلاً، ساعةً، يوماً،... . وكلُّ كلمةٍ منْ هذهِ الكلماتِ تُحِيلُ إلى سياقاتٍ كانتْ قدْ عاشتْ فيِهاِ مَسْنُودَةً بما هوَ اجتماعيٌّ. (باختين، 1985 : 153).
ويَكْشِفُ هَذا الإنتاجُ الدَلاليُّ الذي يُمكنُ أنْ يُنْتِجَهُ كلامٌ فنيٌّ في سياقِ الدراما سَيرورةَ الواقعِ وحركَتِهِ، ويَكْشِفُ أيَضاً علاقاتِهِ؛ فالحوارُ الدراميُّ يَنخلقُ بوجودِ علاقاتِ القوَّةِ، ويختَفي باختفائِهِا؛ فالعلاقةُ ما بينَ علاقاتِ القوَّةِ هيَ التي تُفضي إلى وجودِ كلامٍ حواريٍّ أو إلى وجودِ صوتٍ واحدٍ يُلغي جميعَ الأصواتِ الأُخرى، ويتحركُ كَسَيِّدٍ في عالمٍ من العبيدِ المسكونينَ بعجزٍ تَامٍ. إنَّ ذلكَ هوَ ما يحُيلُنا إليِهِ (فُوكو) عندما يتناولُ علاقاتِ القوَّةِ في سياقِها الواقعيِّ "ليسَ هناكَ علاقةُ قوَّةٍ دونَ وسائلَ الهروبِ أو القتال؛ عندما يدخلُ الناسُ في المُجابَهةِ، ينخرطونَ في علاقةِ قوَّةٍ مُعيَّنَةٍ - يريدونَ تعريفَ أفعالِ الأفرادِ أو المُنَظَماتِ الذينَ هُم في علاقةٍ معهم ومعَها. إذا فعلتْ القوَّةُ فِعْلَهَا مباشرةً على الأجسادِ أو الأشياءِ، إذاً فليسَ هناكَ علاقةٌ، ومنْ ثَّمَ فهذهِ ليستْ قوَّةً – إنَهَا دمارٌ، وعنفٌ، وإكراهٌ ماديٌّ (سيدٌ وعبدٌ)" (Foucault, 1992 :310).
إنَّ الحوارَ كَتَلَفُّظٍ (كنصٍّ، أو كخِطابٍ) هو انعكاسٌ ذاتيٌّ للعالمِ الموضوعيِّ، وهوَ تعبيرٌ عنِ الوعيِ، وعندما يتحولُ إلى "... هدفِ الإدراكِ، يمكنُ أنْ نتكلمَ، عنِ انعكاسِ الانعكاسِ. فَهْمُ النصِّ هوَ انعكاسٌ راهنٌ عبرَ انعكاسٍ آخرَ لشيءٍ مُنْعَكِسٍ" ( Bakhtin 1986, 113) .
فهذه الانعكاسيَّةُ التي تحْدُثُ تُحَرِّكُ وعيَنَا باتجاهِ حالةٍ خياليَّةٍ (imagination) عَقلانيَّةٍ/انفعاليَّةٍ. ويمنحنُا هذا الامتزاجُ الحادثُ القدرةَ عَلى تأسيسِ وعيٍّ نقديٍّ، وتمتزجُ العقلانيَّةُ والانفعاليَّةُ في سياقٍ خياليٍّ، ويتحركُ هذا التمازجُ في حالةٍ تَساؤليَّةٍ، هيَ حالةٌ نقديَّةٌ بالدرجةِ الأولى؛ لأنَّ فعلَ الذاتِ الانفعاليِّ أوِ العقلانيِّ - حينَما يتحركُ ما بين الواقعِ والخيالِ - يجدُ تلكَ الفوارقَ والاختلافاتِ الفاحشةَ فيما بينَهما منْ ناحيةٍ، والتَّطابقاتِ والتَّشابهاتِ من ناحيةٍ ثانيةٍ، فيتطورُ وعيٌ تساؤليٌّ. هذا هوَ الذي يفسِّرُ الرؤيةَ (الباختينيةَ) التي تَرْسُمُ الفرقَ ما بينَ وعيٍّ حواريٍّ (ديالوجيٍّ) يرى أصواتَ الآخرينَ ويَعيِهَا، وبينَ (مُونولوجيَّةٍ) تَرفضُ أيَّ وعيٍ خارجَهَا (Bakhtin,1997 :293). إنَّ ذلكَ مسكونٌ بالخيال؛ فحينَما نَتَلَفَّظُ، فإنَّنا نُحِسُّ بالآخرِ ونتخيَلُهُ، وبالتَالي، فإنَّنا نُقَدِمُ تَلَفُّظَاتِنَا بوعيِنا أو بإحساسِنا بهِ، وهذهِ العمليَّةُ، في كِلتا حالتَيْها، مَبْنيَّةٌ على تصورِنا الشخصيِّ الذي يمنحُنا إيَّاهُ خيالُنَا؛ فنرسمُ صورتَهُ التي تُرْتَسَمُ، بشكلٍ أو بآخرَ، عبرَ تَلَفُّظَاتِنَا. وحينَ نَلجأُ إلى الدراما - كممارسةٍ تخيليَّةٍ - فإنَّنا نعملُ على استجلابِ الواقعِ إلى مساحاتِ التَّخيُّلِ التي نتحركُ فيها، وَنَفُضُّ تلكَ العلاقاتِ الاجتماعيَّةَ ونتفاعلُ مَعَهَا، "ففي العملِ الدراميِّ، يبدو وكَما لو أنَّ المشاركِينَ مُنخَرِطونَ في استكشافِ كيفَ يَتَصَرَّفُ الناسُ في حدثٍ، وكيفَ يَرَوْنَ ذلكَ" (Heathcote, 1984:138).
السياقُ الواقعيُّ والسياقُ الاجتماعيُّ
إنَّ العلاقةَ ما بين السياقِ الواقعيِّ والسياقِ المتَخيَّلِ كما بيّنتُها آنفاً يمكنُ إيضَاحُها بصورةٍ ملموسةٍ أكثرَ حين ننظرُ إلى السياقِ الواقعيِّ على أنَّهُ هو الواقع الاجتماعيُّ الذي نعيشُ فيهِ ونتفاعلُ معَه، أمّا السياقُ المتخَيَّلُ فهوَ المنظارُ الذي نَرى منْ خلالِهِ ذلكَ الواقعَ الاجتماعيَّ، ونشكّلُ تصوراتِنا حولَهَ. إنَّ هذهِ العلاقةَ تحتلُّ مكانَها هذا لأنَّنا، في الحقيقةِ، نستعملُ بنيةً رمزيَّةَ متكوِّنةً وتتكوَّن باستمرارٍ لِتحقيقِ تواصلٍ ما بين هذين العالمينِ، يُفضي إلى بناءِ تصوراتِنا ومواقفِنا، ويلعبُ الكلامُ دوراً جوهريَّاً في هذهِ البنيةِ الرمزيَّةِ.
وحينما نتحدّثُ عنْ الدراما كسياقٍ تخيُّليٍّ ننخرطُ فيهِ، فإننا نتحدثُ عن انخراطٍ في السياقينِ معاً، وفي الوقتِ نفسِهِ. فالشكلُ الدراميُّ يعتمدُ أساساً على ذلكَ من أجلِ انوجادِهِ؛ فحينَ نشاهد عملاً مسرحيَّاً أو ننخرطُ جسديّاً في عملٍ مسرحيٍّ أو دراميٍّ فإننا ننتقلُ إلى عَالَمٍ متخيّلٍ، ونسكنُ في شخصيّاتٍ متخيّلةٍ، وفي عالَمٍ مختَلقٍ نحن نصنَعُهُ ونصدِّقُهُ، لأننا نعلِّقُ عدمَ التصديقِ لزمنٍ معيَّنٍ، وقد يفضي ذلك إلى أنْ ننسى ذواتِنا، لكنَّ هذهِ الذواتِ لا تختفي تماماً، فنحنُ لا نزالُ موجودينَ هنا، ونستطيعُ في أية لحظةٍ شئنا أنْ نُفَعِّلَ وعيَنا اتجاهَ ما هو واقعيٌّ وحقيقيٌّ. فما هو واقعيٌّ يتمثَّل في إدراكِنا لما نعرفُ بأنهُ واقعيٌّ، فهوَ ما نجلِبُهُ للدراما من خبراتِنا وخلفياتِنا الثقافيَّةِ. أمَّا ما هو تخيُّليٌّ فهوَ ما تَوافَقنا على تصديِقِهِ معاً كمنخَرِطينَ في الفعلِ الدراميِّ. إننّا ندخلُ إلى عالَمٍ خياليٍّ وهميٍّ، يُبتَدَعُ لنا أو نبتدِعُهُ، وندركُ بأننَّا نُشاهدُ فعلاً متخيَّلاً أو أننّا ننخرطُ في نشاطٍ مُخْتَلَقٍ. إنَّ هذا الإدراكَ يكمنُ في قلبِ الفعلِ المسرحيِّ أو الدراميِّ، ننخرط فيه، بعمقٍ، ونصدقُّهُ بوعينا، كما أننا لا نصدِّقُه بوعينا أيضاً، فنحنُ نبني توافقاً متشابكاً ما بينَ العالَمينِ. إنَّ هذا التشابكَ يتيح لنا أنْ نؤَوِّلَ الفعلَ المتخيّلَ بخبراتِنا المستمدّةِ مِنَ الواقعِ، وهوَ أيضاً مُستَمَدٌّ من الواقعِ. وبهذا المعنى، فإنَّ الدراما تمثِّل نافذةً لنا ننظرُ من خلالِها إلى بعض مظاهرِ الحياةِ وملامحِها، ومن خلالِ هذهِ الرؤيةِ لهذا (الوهمِ) فإننا نشاهدُ الواقعيَّ وراءهُ. ولعلَّ نظرةً لمكوناتِ السياقِ الدراميِّ تمنحُنا إمكانيّةَ هذا الربطِ المستمرِّ ما بين السياقينِ؛ فالسياق الدراميِّ يتكوَّن مِنَ العناصرِ التاليةِ: الحالاتِ، الأدوارِ، التبئيرِ، التوترِ، الزمانِ والمكانِ، اللغةِ، الحركةِ، المزاجِ، الرمزِ (O’toole,1992 :6). وهي في تضافرِها معاً تخلقُ المعنى الدراميِّ.
وحينَ ينخرطُ المرءُ في فعلٍ دراميٍّ فإنّه ينخرطُ فيهِ حاملاً خبرتَهَ وثقافتَهُ، ويدمِجُها في العمليّةِ الدراميّةِ التخيُّليَّة، وضمنَ هذا السياقِ، فإنّهُ يَستكشفُ، وَيُسائِلُ، ويُفَكِّكُ، ويحلِّل، ويعيدُ إنتاجَ السياقاتِ والمعاني، وعبرَ هذهِ العمليَّةِ فإنه يكونُ مُنخرِطاً في السياقينِ معاً، ويستطيعُ العملُ فيما بينهما متى أرادَ ذلكَ؛ يُصَدِّقُ اللعبةَ التخيُّليَّةَ ويخرجُ عنْ هذا التصديقِ أيضاً. وعبرَ هذهِ العمليّةِ، فإنّهُ يشتبكُ بكل منَ السياقينِ، وتتَّجلى له إمكانيَّةَ إعادةِ تفكيكِ السياقَ الواقعيِّ الذي هوَ سياقُهُ الاجتماعيُّ، وإعادة إنتاجِ رموزِهِ ومعانيِهِ. إنَّ إعادةَ الإنتاجِ هذهِ هيَ، في جوهرها، عمليَّةُ إعادةِ نظرٍ في هذا الواقعِ الاجتماعيِّ، وما يحمِلُهُ من مُسَلَّمَاتٍ ومألوفاتٍ ومواضَعاتٍ. وإذا تمكّنَ من تفكيكِها فإنّهُ ينتَقِلُ خطوةً باتجاهِ تفنيدِها ومساءَلتِها ونقدِها. وهذهِ العمليَّةُ تحمّلُ في ثَناياها إمكانيَّةَ تقديمِ أطروحاتٍ بديلةٍ لتلك المعاني "الراسخة"، وهذا بدورِهِ يتيحُ تفاعلاً جديداً ما بين "الواقعيِّ" و "المخَيَّلِ" من جديدٍ. إنَّ هذا التفاعلَ هو في أهمِّ قيمِهِ اجتراحٌ لحلمٍ يتطّلعُ نحو تغيير. والتغييرُ في فردٍ أو مجتمعٍ أو كليهما معاً يبدأُ بحلم، وكما يقول فريري "أنا لا أستطيعُ أنْ أحترمَ المعلمَ الذي لا يحلمُ بمجتمعٍ منْ نوعٍ محدَّدٍ يُحبُّ أنْ يعيشَ فيِهِ، وأنْ تعيشَ فيِهِ الأجيالُ الجديدةُ أيضاً… وهو حلمٌ بمجتمعٍ أقلَّ بشاعةً منْ مجتمعِ اليومِ… مجتمعٍ أكثرَ انفتاحاً، وأقلَّ فساداً، ذلكَ الفسادُ الناجمُ عن الإجحاف" Freire, 1996)).
أمّا مبرراتُ هذا الاستطرادِ في وصفِ العلاقةِ ما بين السياقِ المتَخيَّل والسياقِ الاجتماعيِّ وتحليلِها فتتمثلُ في تبيانِ أهميَّةِ الفعلِ الدراميِّ التفاعليِّ في إحداثِ تغيير على مستوى الرؤيةِ المعرفيَّةِ والعلاقاتِ الاجتماعيَّةِ للمنخرِطينَ فيهِ؛ فإذا ما اشتغلتْ الدراما في سياقٍ تعَلُّميٍّ فإنَّها ستتيح لكلٍّ من المعلّمِ والمتعَلمِ أن ينخرطا في عمليّةٍ حواريَّةٍ تفضي إلى إنتاجِ رؤيةٍ جديدة لكليهما، وتتيح لكلٍّ منهما إمكانيّةَ استبصارٍ جديدٍ للواقعِ الذي كانَ مُقدِّمَةً لإنتاجِ سياقٍ مُتَخيَّلٍ، سيعيدُنا بدورِهِ إلى إنتاجِ معرفةٍ جديدةٍ للواقع الذي نَحياهُ، ومنْ ثمَّ الانتقالُ ثانيَّةً سياقٍ مُتَخيَّلٍ جديدٍ يحملُ في فاعليَّتِهِ أفقاً نقديّاً لِما هوَ قائمٌ وسائدٌ، وكأنَّ السياقَ الدراميَّ هو المُختبرُ الذي يجري فيِهِ استكشافُُ التفاعُلاتِ التي سَتُلقي بتأثيراتِها على السياقِ الاجتماعيِّ الواقعيِّ. وإذا ما نَظرْنا إلى هذه الفاعليةِ بين المشتركينَ في النشاط الدراميِّ فإنَّنا سنجدْ أنَّ التفاعلَ الحواريَّ يَنتجُ عبرَ حواريَّة ناتجةُ عن تلك العلاقةِ المُتداخِلةِ ما بين السياق التخيُّليِّ والسياقِ الواقعيِّ، وحواريّة ناتجةٌ عنِ العلاقةِ ما بين المشتركينَ أنفسِهم؛ حيث يتجلَّى في العلاقتينِ طبيعة المشاركةِ الفرديَّةِ لكلِّ المشتركينَ بما تتضمنُه من تنَوُّعٍ في خبراتِهم وخلفياتهمِ الثقافية المُتنوِّعةِ واندماجِها ضمنَ الخبرةِ الجديدةِ المُتحققةِ منْ خلالِ الممارسةِ الدراميَّة، وبهذا سنكونُ أمامَ تعدديَّةٍ ينتجُها سياقُ التَلَفُّظِ الدراميِّ ويساهمُ في إنشائِها أيضاً التنوُّعُ في الخلفياتِ الثقافيَّةِ للمشتركينَ.
الدْرَامَا والحِوَارُ (الشَّفَويُّ والكِتَابيُّ)
إذا َما كانتِ المُمارسةُ الكلاميَّةُ في سياقاتٍ مُتنوِّعَةٍ تمنحُ المُمَّارِسَ لَهَا خبرةً جديدةً في التعاملِ مَعَها، وفي توظيفِها، وفي الارتقاءِ بإمكاناتِهِ الفرديِّةِ منْ خلالِ تحصيلِها، وإعادةِ إنتاجِها، وإنتاجِ معانيها، وفقاً للسياقاتِ التي تتطلبُها. فكيفَ يمكنُ للأعرافِ الدراميَّةِ والأساليبِ المسرحيَّةِ أنْ تلعبَ دوراً في عبورِ المُشتركِينَ فيها لتجربةٍ تتهيأُ لَهُم فيها ممارسةُ الكلامِ الشفويِّ والكتابيِّ في سياقٍ حواريٍّ؟
تستندُ الدراما كفعلٍ تخيليٍّ سياقيٍّ على التَّلَفُّظِ دائماً، حتى حينَما يكونُ الفعلُ الدراميُّ فعلاً إشارياً أو حركيَّاً لا نُطقَ فيِهِ، فإنَّ إنتاجَهُ يقومُ على التَّلَفُّظِ، وممارسةِ اللغةِ التي لا تقومُ بدورِها كوسيطٍ اتصاليٍّ فقطْ، بلْ كمُنتجَةٍ للمعرفةِ أيضاً. والمعرفةُ – بالمقابل - تعملُ على إنتاجِ اللغةِ أيضاً عبرَ ممارسةِ التفكيرِ نفسِهِ "فالتفكيرُ هوَ علامةُ تَنَوُّعٍ خاصةٍ. كلُّ تفكيرٍ هوَ بالضرورةِ ضربٌ من ضروبِ الحوارِ، التماسٌ مِنْ ذاتٍ في لحظة منقضية إلى ذاتٍ لها اعتبار أفضل للآن وللمستقبل عموما" (Peirce, 1977 :195).
فالكلامُ الذي يمارسُهُ الفاعلونَ في الفعلِ الدراميِّ يمُكِّنُهُم منْ ممارسةِ التفكيرِ عبرَ وضعِ أنفسِهِم في حالاتٍ ومواقعَ تمنحُهم القدرةَ على إنتاجِ الكلامِ في علاقتِهِ بتلكَ الحالاتِ والمواقعِ كي يفضيَّ إلى إنتاجِ نصٍّ دراميٍّ. إنَّ "مقاصدَ الدراما للمشاركين فيها تغدو جليَّةً عبرَ العناصرِ الأساسيَّةِ للوسيطِ: اللغةِ، الحركةِ، الإيماءةِ. ومعاً، تُشكِّلُ النصَّ الدراميَّ" (O’Toole,1992: 200).
فَفي الفعلِ التَلَفُّظِيِّ في الممارسةِ الدراميَّةِ السياقيَّةِ تنبعثُ اللغةُ منْ سكونِها، وتَتخِّذُ عوالِمَها المتعددَّةَ، المتُشابكةَ والمتَفاعلةَ، لتصبحَ كلاماً تتوالدُ فيهِِ ومنهُ الدلالاتُ "فاللغةُ تدخلُ إلى الحياةِ عبرَ تَلَفُّظَاتٍ مَلموسةٍ"(Bakhtin, 1986: 63) إنَّ هذا الفعلَ، كخبرةٍ جديدةٍ، حين يُمارَسُ منْ قبلِ الأفرادِ، يؤدي إلى إنتاجِ خبراتٍ جديدةٍ لهم، ومن الممكنِ أنْ تغدوَ هذهِ الخبراتُ الجديدةُ مميِّزةً للفردِ عن أفراد آخرين، و"لهذا فإنَّ الخبرةَ الكلاميَّةَ الفريدةَ لكلِّ فردٍ تتشكلُ وتَنمو في استمراريَتِها وفي تفاعلِها الثابتِ مَعَ التَّلَفُّظَاتِ الفرديَّةِ للآخَرِين" ( 1986 :89).
وفي استمراريةِ الخبرةِ الدراميَّةِ التي يَمُرُّ بها الفردُ، فإنَّهُ يستطيعُ أنْ يُنَوِّعَ في هذهِ الخبراتِ، وأنْ يُنتِجَ خبراتٍ تَلَفُّظِيَّةٍ جديدةٍ، مِنْ شأنِهِ أنْ يُنمِّيها عبرَ اتصالِهِ بالآخرِين. ففي الدراما يتمُّ إنتاجُ الحدودِ الحواريَّةِ التي تُنتِجُ نصَّاً غيرَ متماثلٍ مَعَ اللغةِ، فالنصُّ الفرديُّ يظهرُ كتعبيرٍ عَنْ وضعيَّةٍ محددَّةٍ غيرِ قابلةٍ للتكرارِ، وتمتازُ بخصوصيَّتِها "النصُّ - كَتَلَفُّظٍ - مشمولٌ في الاتصالِ الكلاميِّ (السلسلةِ النصيَّةِ) لمجالٍ مُعْطَى. والنصُّ كوحدةٍ فريدةٍ بذاتِهِ ينعكسُ على كلِّ النصوصِ (ضمنَ حدودِ) مجالِ مُعْطَى" (104,105).
النصُّ خِطابٌ يَنشأُ ككلامٍ شفويٍّ، وهوَ يُنتِجُ معناهُ الكاملَ منْ حيثُ كونِهِ نصَّاً شفويَّاً؛ ففي الكلامِ الشفويِّ يَظْهَرُ المُتكلِّمُ ووضعيَّتُهُ و/أو صوتُهُ ونبراتُه وتنغيماتُهُ، فينضافُ إلى الكلامِ معنىً جديداً أو يتلاشى معنىً آخرَ، وقدْ ينقلبُ معنىً أو يلتبسُ أو يتشوَّشُ. وحينَما ننظرُ إلى الكلامِ في الحياةِ الواقعيَّةِ، فإنَّهُ يكونُ مُحَمَّلا ًبهذِهِ العناصرِ، كما أنَّ الكلامَ في سياقٍ فنِّيٍّ، وفي الدراما تحديداً، يكونُ مُحَمَّلاً بهذهِ العناصرِ أيضاً. فالمشهدُ الدراميُّ يكتسبُ معناهُ الكاملَ المرادَ لَهُ حينما يغدوَ أصواتاً مَنْطُوقَةً وعلاماتٍ بصريَّةً، وفي عمليةِ تكوُّنِهِ يتأسسُ على كلامٍ شفويٍّ سواءٌ أكانَ ذلكَ هوَ الكلامُ المُتَعَلِّقُ بالكلامِ الشفويِّ خلالَ عمليَّةِ الإنتاجِ نفسِها (حين تحدثُ المُناقشةُ والارتجالُ وتمريناتُ تحويلِ النصوصِ إلى كلماتٍ مَنْطُوقَةٍ) أمْ حينَ يَظْهَرُ في صورتِهِ النهائيَّةِ كمشهدٍ مسرحيٍّ "مُكْتَمِلٍ!".
إنَّ إنشاءَ نصٍّ شفويٍّ في الدراما يتحقَّقُ عبرَ طريقتين؛ فإمَّا أنْ يتمَّ تحويلُ نصٍّ مكتوبٍ (هوَ في أصلِهِ نصٌّ شفويٌّ) إلى نصٍّ شفويٍّ، أو ارتجالِ نصٍّ شفويٍّ وتحويلِهُ إلى نصٍّ مكتوبٍ (قد يُصارُ إلى تحويلِهِ مرةً أُخرى إلى نصٍّ شفويٍّ) وفي كلتا الحالَتين، فإنَّ هذين النصَّينِ (الشفويِّ والمكتوبِ) يتمايزانِ عن بعضِهِما منْ حيثُ أنَّهُما عَرْضَانِ مُختلفانِ؛ ففي حيِن أنَّ الكتابةَ تمنحُ مُمَارِسِها مساحةً أكبرَ منَ التأملِ فيها كونها أبطأَ في إنتاجِها مِنَ الإلقاءِ الشفهيِّ، فإنَّ الشفويَّةَ لديها أداءاتٍ لسانيَّةٍ مَليئةٍ بالقوةِ التي لا يمكنُ أنْ تكونَ ممُكِنَةً في اللحظةِ التي تَستحوذُ فيها الكتابةُ على النَّفسِ البشريَّةِ، ومَعَ ذلكَ، فدونَ الكتابة، فإن المنجز الشفوي سيضيع، فإذا لم يتمْ تحويِلُهُ إلى نصٍّ مكتوبٍ، ومنَ الصحيحِ أيضاً، أنَّهُ قد يفقدُ جزءاً من قوَّتِهِ الأصليَّةِ، لكنَّهُ سيحملُ في مكامِنِهِ إمكاناتِ إنتاجِ قوَّةٍ جديدةٍ. ولذلكَ، فإنَّ قَدَرَ الكلماتِ التي تتأسسُ أصلاً في الحقلِ الشفويِّ أن تَثْبُتَ في حقلِ الكتابةِ الذي هو حقلٌ مرئيٌ. وحينَ يكونُ الكلامُ عنْ نصٍّ مسرحيٍّ، فإنَّنا سنجدُهُ، أصلاً، نصَّاً مبنيَّاً على الشفويَّةِ، وإنْ اتخذَ شكلاً مكتوباً؛ "فالخطابُ المسرحيُّ هو شكلٌ من أشكالِ الخطابِ الشفويِّ، حتى في شكلِهِ الكتابيِّ. هو كذلكَ، لأن الشكلَ الكتابَي يعيدُ إنتاجَ بنْيَةَ الحوارِ، والحوارُ يُقَدِّمُ نفسَهُ كحالةٍ مُفْصَحٍ عنْها (مُصرَّحٍ بها) التي هي عَرْضٌ مُزَامِنٌ لموضوعِ التَّلَفُّظِ" (De Toro, 1995 :25).
هذهِ الديناميكيَّةُ التي يتفاعلُ فيها المكتوبُ مع الشفويِّ بصورةٍ اندماجيَّةٍ تُحَقِّقُ للفردِ وعياً مزدوجاً؛ إنها دخولٌ إلى أعماقِ النفسِ بقوةٍ، وهي، في الوقتِ نفسِهِ، انفتاحٌ على الخارجِ بصورةٍ أكبرَ (Ong, 1994).
والارتجالُ في الدراما هو أحدُ العناصرِ الأساسيَّةِ التي يمكنُ له أنْ يُحَقِّقَ هذهِ الديناميكيَّةِ المُزدوجةِ من حيثُ كونهُ فعلاً شفوياً تلقائيَّاً أوليَّاً منْ ناحيةِ، وفيه يتِّمُ إنتاجُ حالةٍ دراميَّةٍ تتضافرُ فيها عناصرُ السياقِ المختلفةِ لإنتاجِ المعنَى منْ ناحيةٍ أُخرى. ولكنَّ انحصارَهُ في الشفويَّةِ قد يكونُ لهُ ضررٌ واحدٌ على مُستوى بناءِ المعرفةِ على الأقل؛ فهوَ غيُر قادرٍ على تسجيلِ ما تمَّ إنتاجُهُ من كلامٍ بشكلٍ مُشترَكٍ بينَ الذين تشاركوا في عمليةِ إنتاجِهِ عبرَ نشاطاتِ الارتجَال، ولذلكَ، فإنَّ الكتابةَ تغدو ضروريَّةً، وهيَ التي ستجعلُ "تمثيلاتِ المعرفةِ مستقلةً عنِ الذاكرةِ الشفويَّةِ" (Wells,2001) فيُمكنُ للكتابةِ التي سَجَّلَتْ الارتجالاتِ أنْ تُؤَسِسَ لارتجالٍ جديدٍ أو أنْ تُعَمِّقَ معنى ارتجالٍ مُنجَزٍ بهدفِ الحصولِ على حالةٍ دراميَّةٍ تتحققُ عبرَ عمليةٍ تراكميةٍ، فالارتجَال "هوَ عمليةٌ يمكن أنْ تتبرعمَ منْ خلالِها موادٌ خاصةٌ تُقْطَعُ منها قطعٌ حَجريَّةٌ يُبنى عليها العرضُ المسرحيُّ. إنَّ الارتجالَ، بهذا المعنى، هوَ عمليَّةٌ خلاَّقَةٌ في حالتِها الخاصَّةِ،..." (باربا، 1995 :72). والارتجَالُ يَخلِقُ حالةً تفاعليَّةً ما بين خبرةِ المشاركِ فيه، وما بين الحالةِ التي يرتجِلُها " الارتجالُ دائماً هوَ توليفٌ لمِا أُبْلِغَ للممثلةِ التي تَرتجلُ وخبرتِها الحياتيَّةِ" (Boal, 1996 : 97).
ويقوم الارتجالُ في معناهُ الواسعِ، أساساً، على التنازعِ ما بين البديهةِ والتَمَعُّنِ، لأنَّ "الكلامَ ينبعثُ في أولِ مبادئِه إمّا عنْ عفو البديهة، وإمّا عن كدِّ الرَّوِيَّةِ، وإمّا ]أنْ يكونَ[ مُركَّباً منهما، وفيه قواهما بالأكثر والأقلِ، ففضيلةُ عفو البديهةِ أنَّه يكونُ أصفى، وفضيلةُ كدِّ الرَّوِيَّةِ أنَّه يكون أشفى، وفضيلةُ المرَكَّبِ مِنهما أنَّه يكونُ أَوفى، وعيبُ عفوِ البديهةِ أن تكونَ صورةُ العقلِ فيهِ أقلَّ؛ وعيبُ كدِّ الرويَّةِ أن تكونَ صورةُ الحسِّ فيهِ أقلّ، وعيبُ المركَّبِ منهما بقدرِ قِسطِهِ منهما: الأغلبِ والأضعفِ" (التوحيدي، بلا تاريخ، ج2 :132) ولذلك فإن تعميق القدرةِ على الارتجالِ وتنميةِ إمكاناتِ إنتاجٍ كلامي أكثر عمقاً، يتطلبُ تطوير مهارات الارتجال عبر الممارسةِ المستمرةِ التي ترتقي بإنتاجِ المعنى ضمن تضافرِ الطبعِ من ناحيةٍ والتأملِ والتفكيرِ من الناحية الأخرى. وفي ذلك تضافرٌ أيضاً لكلٍّ من العقلي والشعوريِّ اللذان يتحدانِ معاً في إنتاجِ رؤيةٍ هي تعبيرٌ في حقيقَتِها عَنِ الإنسانِ الذي يتَّسمُ بتلازمِ الانفعاليِّ بالتأمُّليِّ. وهذا ما يمكنُ لأساليبِ الارتجالِ الدراميِّ أنْ تعتنيَ بهِ، وتُفسحَ مجالاً للبديهةِ أنْ تتضمَّنَ الخاطرَ والإلهامَ والتخيلَ والتأمُّلَ والتفكيرَ. وهذا سيُفضي إلى إنشاءِ الكلامِ منْ كلٍّ مِنَ الطبعِ والعقلِ بحيث لا يُسيطرُ أحدُهُما على الآخَر، لأنَّ مَيلَ الميزانِ إلى أحدِهما سيقَوّيَ أحدُهما على حِسابِ الآخَرِ.
إنَّ وضعيَّةَ الارتجالِ الدراميِّ كإطارٍ عامٍ للأعرافِ الدراميَّةِ التي ستتحرَكُ داخلَهُ، مثل: مسرحِ الصورةِ (Image Theatre)، مسرحِ المنتدى (Forum Theater) ، التمثالِ (Sculpture)، الصورةِ الساكنةِ (Still Image)،... ، ستسهم بالإحاطةِ بكلِّ أبعادِ اللغةِ في سياقِها الاجتماعيِّ (الكلامِ الشفويِّ والكتابيِّ، التلقائيِّ والمخططِ لهُ، الذاتيِّ والموضوعيِّ، الواقعيِّ والتخيليِّ...) فالارتجالُ "سوفَ ينشئ علاقةً قريبةً جداً من الواقعِ، بمعنى أنَّ الزمن ينقضي في مُعدَّلِ العمرِ، ويتصرفُ الممثلُ مستعملا الحيِّز بشكلٍ طبيعيٍّ" (Neelands, 1995 : 4). ففي الارتجالِ تَنشأُ صورٌ كثيرةٌ، بعضُها يحملُ في أحشائِهِ إمكانيةَ نموِهِ وتطورِهِ، وبعضُهَا الآخرُ يحملُ معهُ علاماتِ موتِهِ وانتهائِهِ، استناداً إلى مبدأِ الانتقاءِ والإقصاءِ الذي تعملُ ضمنَهُ الطبيعةُ البشريَّةُ، فهناكَ ما يتمُّ اختيارُهُ لأسبابٍ ظاهرةٍ أو كامنةٍ، مُصرَّحٌ بها أو مُحْتَجَبَةٌ، وهناكَ ما يتمُّ نفيُهُ لأسبابٍ مشابهةٍ أيضاً، وهذا ما يحدثُ في الارتجالِ أيضاً، حيثُ يتمُّ التركيزُ على أمرٍ ما، بينما يتمُّ إغفالٌ لأمرٍ آخرَ. والارتجالُ في الدراما هوَ أسلوبٌ يُوَظَّفُ لتوليدِ الصُّورِ، فَمنها ما يندَّثرُ وينتهي معَ لحظةِ ظهورِهِ، ومنها ما يَنمو إلى درجةٍ معيَّنَةٍ، ومنها ما يتطورُ عبرَ العمليةِ بكليَّتِها إلى أنْ يتحوَّلَ إلى مشهدٍ سواءٌ أتجسَّدَ ذلكَ في صورةٍ مكتوبةٍ أمْ في صورةٍ مَعروضَةٍ.
إنَّ الدراما في إطارِها التربويِّ كسياقٍ لإنتاجِ المعرفةِ وتعميقِ الوعيِ هيَ عمليةٌ تعلميةٌ/إدراكيَّةٌ من ناحيةٍ، وهي عمليةٌ شعوريَّةٌ / انفعاليَّةٌ من ناحيةٍ ثانيةٍ؛ وتَنتَظِمُ العمليتانِ معاً في سياقٍ فنيٍّ يتحرَّكُ في عَالمَينِ: عالمِ التخيُّلِ وعالمِ الواقعِ. وبهذا المعنى، فإنَّ الدراما متعدَّدَةُ الأبعادِ، "في كلِّ الدرامات، اللغةُ والفعلُ الجسديُّ متعدِّدَا الأصواتِ، ومتعدِّدَا الأبعادِ، مَعَ كلِّ مُقوِّماتِ تَوَقُّفِ أحدِهِما على الآخَرِ؛ وأكثرُ من ذلكَ، ففي عمليةِ الدراما فإنَّ تلكَ المُقوِّماتِ هي دائماً قابلةٌ لإعادةِ التفاوضِ بشأنِها" (O’Toole,1992 : 199) وما ينطبقُ على الدراما في هذا السياقِ، فإنَّهُ ينطبقُ على فنِّ المسرحِ؛ فَهُما ينتميانِ إلى جذورٍ واحدةٍ، ويشتركانِ مَعاً في توظيفِ الكثيرِ منْ مكوناتِهما وعناصرِ وجودِهما بصورةٍ تفاعليَّةٍ/تبادليَّةٍ، وسنلحظُ ذلكَ بوضوحٍ إذا ما نظرْنا إلى الأدوارِ والشخصيَّاتِ، واستخدامِ الحيِّزِ، والزمنِ، والأشياءِ، والتعبيرِ الإنسانيِّ... . بينما يتمايزانِ عنْ بعضِهما البعض في مجَالَي الاحترافِ والعرضِ (McGregor,1977 :18,19).
وحينَما نُوَظِّفُ أعرافَ الدراما وتكنيكاتِ المسرحِ في بناءِ المعرفةِ عبرَ نشاطاتِ لَعِبِ الأدوارِ، فإنَّنا سنجدُ بأنَّها كما في (الشكل التالي) "… يمكنُ أنْ تُحدَّدَ في الدائرةِ الثانيةِ، في المعرفةِ الجماليَّةِ، بالرغمِ منْ أنَّ كليهما يخطوان إلى داخل النمط النظري، ويُجتذبَان مبكرا لإظهار أنماط معرفة تنخرط في النشاطات العملية التي يتطلبها الدور"(Hume, & Wells, 2001) .
لولبية المعرفة (من: Wells,1999)
ويمكنُنا أيضاً أنْ نبنيَ قنواتٍ منَ الحوارِ بين عَالَمَي المشتركِين فيهما (عالَمِ الواقعِ وعالَمِ التخيُّلِ) كما أنَّنا نشيِّدُ وعياً جديداً لعلاقاتِ الواقعِ وحوارياتِهِ عبرَ استخدامِنا لأشكالِ الحوارِ في المسرحِ، وبغَيرِ ذلكَ، فإنَّ الفعلَ (الدراميَّ) سيكونُ (مونولوجيَّاً) ذا صوتٍ مُفرَدٍ، وهذا ما يَعتبرُهُ (بوال) (Boal,1996) لا مسرحيَّاً. "فالمسرحُ يدلُّ على الصراعِ، والتناقضِ، والمجابهةِ، والمواجهةِ. والعملُ الدراميُّ يكمُنُ في التغايرِ وحركةِ التعادلِ، بلا هذه القوى المتضادةِ، فإنَّ المونولوجاتِ لنْ تكونَ (مسرحاً) إلا حين يُتَضَمَّنُ الَخصمُ عبرَ الغيابِ، إلى أنْ يحضرَ غيابُهُ" ( 1996 :16) ولذلكَ، فإنَّ هذا الفهمَ يَربطُ ما بينَ طبيعةِ المسرحِ وغايتِهِ، وطبيعةِ التَّلَفُّظِ وغايتِهِ؛ فوجودُ الحوارِ يقتضي وجودَ قوى حواريَّةً حاضرةً، تحضرُ مباشرةً بجسدِها وتلفُّظَاتِها أو يقدَّرُ وجودَها؛ أمَّا إقصاءُ القوى الأخرى لصالِح (أنا) واحدةٍ مُنعزِلَةٍ، فإنَّهُ سيعطِّلُ إمكانيَّةَ وجودِ المسرحِ في عالمِ الفنِّ، كما ينفي وجودَ الحوارِ في عَالمِ الواقعِ، كما بيَّنَّا ذلكَ آنفاً. وهذا الحوارُ/الخطابُ الذي يحدثُ بين أناسٍ يعملونَ معاً، ويتفاعلونَ فيما بينهم سيُؤدي إلى إنتاجِ المعرفةِ وإعادةِ إنتاجِها (Franklin, 1996) .
يلعبُ الحوارُ دوراً مركزياً في بناءِ المعرفةِ، فإذا كانَ الحوارُ هوَ تفاعُلُ خِبرتينِ تُنتِجانِ خبرةً جديدةً، فإنَّ (الخبرةَ) تتحقَّقُ من خلالِ انخراطِ الفردِ في نشاطٍ فرديٍّ أو جمعيٍّ، ويفضي هذا الانخراطُ إلى اكتسابِ (المعلوماتِ) من خلالِ الملاحظةِ أو الكلامِ أو أيَّةِ مادةٍ قرائيَّةٍ مطبوعةٍ أو مادةٍ فنيَّةٍ بصريّةٍ. وتساهمُ هذه المعلوماتُ في تنميةِ (الفهمِ) الذي يمثّلُ الغايةَ التي يتطلّعُ إليها (التعرُّفُ). وبذلكَ فإنّ (بناءَ المعرفةِ) يتحققُ. وتلعبُ نوعيّة الأنشطةِ التي ينخرطُ فيها الأفرادُ دوراً مركزيّاً في إنتاجِ الحوارِ الذي يقتضي التفاعلَ مَا بينَ المُشتركينَ فيه منْ خلالِ استخدامِهم لمصادرِ اللغةِ المتكلَّمَةِ. وينبني هذا الاستخدامُ على الخبرةِ الذاتيَّةٍ التي ينبني عليها التعلمُ، فهيَ التي تتيحُ للمرءِ أنْ يفهمَها، ولكي تتحقَّقَ هذهِ الإمكانيَّةُ؛ فإنَّ المعلوماتِ تغدو ضروريّةً سواءٌ استبصَرها الفردُ بصورةٍ ذاتيَّةٍ أم قُدِّمتْ لَهُ منْ قِبَلِ الآخرينَ على نحوٍ مخططٍ ومدروسٍ أو على نحوٍ عرَضيٍّ. ولكنَّ هذهِ المعلوماتُ لا تؤدي إلى تعزيزِ الفهمِ بصورةٍ آليَّةٍ بلْ تتمُّ عبرَ عمليَّةٍ تحوُّليَّة، وهذا التحوُّل هو العمليَّةُ التي يتمُّ فيها بناءُ المعرفةِ ذاتيَّاً (بكلامٍ داخليٍّ) أو جماعيّاً (بكلامٍ مَعَ الآخرين). إنَّ التحويلَ من فردٍ إلى آخرَ لا يتحقَّقُ بشكلٍ آليٍّ بل يحتاجُ إلى إعادةِ تشكيلٍ منْ قِبَلِ الفردِ كعمليَّةِ إنتاجٍ ذاتيٍّ للمعرفةِ. ولذلكَ، فإنَّ العمليَّةَ بحدِّ ذاتِها لا تتحقَّقُ - مثلاً - عبر الكتابِ أو من خلال المعلم بل إنَّ شرطَها الأساسيَّ هو العمليَّةُ في تفاعلاتِها في سياقٍ يمنحُ الفردَ المقدرةَ على إنتاجِها شخصيّاً. دونَ أنْ نغفلَ أهميَّةَ الكتبِ أو المعلمين كمصدرٍ مُهمٍ للمعلوماتِ، ولكنَّ هذهِ المعلوماتُ لا يمكنْ نقلُها بصورةٍ أحاديَّةٍ بل تحتاجُ إلى اشتغالِ المُتعلمِ على بناءِ فهمِهِ الذاتيِّ (Wells, 2001).
وفي إطارِ هذا الإدراكِ، فإنَّ إنتاجَ معرفةٍ جديدةٍ منْ قِبَلِ الأفرادِ في سياقٍ جماعيٍّ يُنتِجُ الدرامَا سيُسهِمُ في وجودِ حالةٍ فكريَّةٍ متوقِّدَةٍ منْ سماتِها: التساؤلُ، الاستكشافُ، البحثُ. وفيها يُحقِّقُ المُشترِكُ خبرةَ التشاركِ فردياً أو بالتشاركِ معَ آخرينَ، وسيُضيفُ لنفسِهِ معلوماتٍ ومعارفَ جديدةٍ عبرَ هذا التشاركِ؛ سواءٌ أتمَّ اكتسابُها عبرَ المشاهدةِ، أم الاستماعِ، أم التكلُّمِ... وستُفضي هذهِ المساهمةُ إلى تحقيقِ نموٍ وفهمٍ جديدينِ عبَر خطابٍ مُتقدِّمٍ (progressive discourse) هوَ في جوهرِهِ تساؤليٌّ، ونقديٌّ، ومتوترٌ، وباعثٌ على التحاورِ فيما يخصُّ السؤالَ المرفوعَ، أو المشكلةَ المطروحةَ أو الحالةَ القائمةَ.
مراجع وهوامش
يمكن مراجعتها في كتاب "المشكالية: نحو حوار حواري"