منذ سنة وأنا أستيقظ كل صباح بثقل كبير، وكأن هموم الكون كلها فوق رأسي، وسرعان ما أبدأ بالحركة وشرب القهوة، حينها، تبدأ هذه الهموم (المتخيلة على الأقل) بالتلاشي والغياب ومن ثم الاختفاء مقابل قضايا الحياة الجدية التي تطلب مواجهة وتركيز.
في موضوع آخر وفي العام 2014 أصدرت فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية أسطوانة بعنوان " حُزرية " وهي مجموعة من الأغاني الساخرة. إحدى هذه الأغاني التي علقتْ برأسي منذ ذلك الوقت، ومنذ أن قرأت كلماتها للمرة الاولى هي "في الحركة بركة "، تقول الكلمات:
"لمحت الدنيا في حركة
وفيها، بيضحك الإحساس
وكل ما حلّت البركة
بشمططها نجس خناس"
في سياق يصل بين الفقرة الأولى والثانية؛ لا زالت الدبكة في جسدي، يسيرُ إيقاعي فيها ومعها رغم أنني غادرت قاعة الرقص بشكل نهائي في العام 2015، لكني ظللتُ أحومُ حولها مرة في الكتابة ومرة بالإنتاج ومرات كثيرة بالذاكرة، كأنني طير غير قادرٍ على البقاء في العش لرغبة شديدة في الطيران، غير أنه عاجزٌ عن ترك المكان في الوقت ذاته، فماذا يفعل؟ الدبكة التي تعلمتها وعشتها وعاشتني خلال فترة وجودي في "فرقة الفنون" دخلت عبر الجسد والإيقاع، ونظمت إيقاعها بالقلب والحياة، فما كانت قاعة التدريب لتدريب الحركات فقط، بل لأشياء أبعد وأعمق وأكثر انتظاماً من الحركة. إنه تدريب أشبه بمسار جبلي، لكنك لا تصل فيه للنهاية أبداً، وتظل دائماً في حالة من الحركة والاستمرارية والنمو والتطور والتعلم والقفز والطيران والسقوط والألم والحزن والفرح، حالة مستمرة من الحركة.
هذه الحركة التي أسست لها "فرقة الفنون" منذ العام 1979، أنْ لا تكون الدبكة رقصًا في الجسد فقط بقدر ما هي قيمة معنوية فكرية لها فعلها الملموس الجميل على الأرض وفي الحياة من خلال الممارسة الفاعلة لهذه القيم سواء أكان ذلك في قاعة التدريب أم على المستوى الوطني في التجمعات الفنية والثقافية.
فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية
هذه القيم لم تأت من الغيب، ولم تسقط من غيمة مارقة، بقدر ما هي مرتبطة ونابعة بشكل عضوي من تجارب أعضاء الفرقة بمختلف أبعادها الاجتماعية والسياسية والوطنية والحياتية من ناحية ومن واقع الشعب الفلسطيني.
ولهذه القيم الكثير من الأطر المداخل، غير أننا نستطيع تكثيفها بتعبير "تعلم الحياة"، بحيث يعبر الناشئون فيها مسارًا من التجارب الاجتماعية في التعرف على زملائهم وعلى فهم المكان كمساحة، ليرافق ذلك الاستماع للموسيقى وكيفية التناسق الحركي معها لضبط الإيقاع، فالتشكيل الذي يعني الحركة مع المجموعة في المساحة على وقع الإيقاع. ثم الفهم والإحساس لما يتم تقديمه من حركة لها معنى، ومعنى له فكرة، وفكرة لها قصد، وقصد له غاية، يتشكل كل ذلك في رقصة ويتناغم مع خيالاتها
تتدحرج عجلة الوعي بقصدٍ أو دون بين المجموعة المؤدية داخل الفرقة أو في صالات تدريب الدبكة حيث يتم استحضار المهارات السابقة وعكسها في الحياة؛ في المشي في الشارع، أو العمل ضمن فريق،أ و الشعور بالمجموعة أو التعرف على أناسٍ جدد أو عبر طرائق في ارسال الرسائل واستقبالها، أو في فهم الحالة العامة والتعامل معها.
لقد مكنتني الدبكة بصورة خاصة والرقص بصفة عامة من التعامل مع الحياة باعتبارها فيلمًا طويلًا لدي القدرة في التحكم فيه، وكأنه برنامج "مونتاج" الأفلام؛ حيث أستطيع تسريع المشهد أو إبطاءه، تكثيف الألوان في مشهد هنا أو تحويلها إلى الأبيض والأسود في مشهد آخر هناك، تقريب الوجوه أحيانًا أو إبعادها. بمعنى أن أكون ضابطًا لإيقاعي مع الحياة، أو بمعنى آخر؛ التحكم بالزمن.
ففي حلقة الدبكة ثمة تسارع وتباطؤ وسكون. في الحلقة مجموعة مختلفة من الناس تقترب حينًا وتتباعد حينًا آخر فيها توزيع للسلطة والمهام؛ متفاهم ومتفق عليه، كأن عقدًا اجتماعيًا يتشكل مسبقًا؛ فثمة "لويح" يقود الحركة لفترة معينة ثم يحل محله زميل آخر في تبادلية مستمرة ودون اعتبار للمكانة الاجتماعية بل لعلها المهارة. في حلقة الدبكة الشعبية ثمة إيقاع جماعي منضبط لكنه يسمح للأفراد في إظهار قدراتهم الفنية متجاوزين المستوى العام لكنهم منسجمون معه.
فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية
وفي ضوء ذلك كله، وبإضافة أن الدبكة جزء جوهري من الوعي الشعبي، فإن ما يثير السخط ألا تكون الدبكة خصوصاً والحركة عموماً جزءا أساسيا من منهجيات التعليم في بلادنا. ولعلها تشكل مدخلًا مهمًا أيضًا لمساهمة في تغير شكل التعليم ضمن مفهوم الفنون الأدائية والبصرية في التعليم، وتحديداً في سياق تحرري حيث تغدو أدوات التعليم وظروفه هي سياقات وعي وهوية وتحرر، بدلا من الاكتفاء بالتعامل معها كنشاط لا منهجي أحياناً، ومادة احتفالية في المناسبات والمسابقات المدرسية حينًا آخر
بالعودة إلى مطلع أغنية في الحركة بركة، فأن فهم الحياة يكون بالحركة والاستمرارية، فالناس ليسوا شجراً ولا أسماكًا، والخيال ليس فكرة تحتاج إلى تفسير وتحليل بقدر ما هي رياح تحتاجُ إلى طواحين تعجنها وتحركها وتعيد رميها لتحمل شكلاً ومعنى آخر. وفي الدبكة و"الحركة" إجمالًا ثمة مجالات واسعه للتأويل والتفكير والتحليل والتعليم والتعلم، وهي تحتاج إلى تجريب واختبار وتأمل.
هذه القيم لم تأت من الغيب، ولم تسقط من غيمة مارقة، بقدر ما هي مرتبطة ونابعة بشكل عضوي من تجارب أعضاء الفرقة بمختلف أبعادها الاجتماعية والسياسية والوطنية والحياتية من ناحية ومن واقع الشعب الفلسطيني.
ولهذه القيم الكثير من الأطر المداخل، غير أننا نستطيع تكثيفها بتعبير "تعلم الحياة"، بحيث يعبر الناشئون فيها مسارًا من التجارب الاجتماعية في التعرف على زملائهم وعلى فهم المكان كمساحة، ليرافق ذلك الاستماع للموسيقى وكيفية التناسق الحركي معها لضبط الإيقاع، فالتشكيل الذي يعني الحركة مع المجموعة في المساحة على وقع الإيقاع. ثم الفهم والإحساس لما يتم تقديمه من حركة لها معنى، ومعنى له فكرة، وفكرة لها قصد، وقصد له غاية، يتشكل كل ذلك في رقصة ويتناغم مع خيالاتها
تتدحرج عجلة الوعي بقصدٍ أو دون بين المجموعة المؤدية داخل الفرقة أو في صالات تدريب الدبكة حيث يتم استحضار المهارات السابقة وعكسها في الحياة؛ في المشي في الشارع، أو العمل ضمن فريقأ والشعور بالمجموعة أو التعرف على أناسٍ جدد أو عبر طرائق في ارسال الرسائل واستقبالها، أو في فهم الحالة العامة والتعامل معها.
لقد مكنتني الدبكة بصورة خاصة والرقص بصفة عامة من التعامل مع الحياة باعتبارها فيلمًا طويلًا لدي القدرة في التحكم فيه، وكأنه برنامج "مونتاج" الأفلام؛ حيث أستطيع تسريع المشهد أو إبطاءه، تكثيف الألوان في مشهد هنا أو تحويلها إلى الأبيض والأسود في مشهد آخر هناك، تقريب الوجوه أحيانًا أو إبعادها. بمعنى أن أكون ضابطًا لإيقاعي مع الحياة، أو بمعنى آخر؛ التحكم بالزمن.
ففي حلقة الدبكة ثمة تسارع وتباطؤ وسكون. في الحلقة مجموعة مختلفة من الناس تقترب حينًا وتتباعد حينًا آخر فيها توزيع للسلطة والمهام؛ متفاهم ومتفق عليه، كأن عقدًا اجتماعيًا يتشكل مسبقًا؛ فثمة "لويح" يقود الحركة لفترة معينة ثم يحل محله زميل آخر في تبادلية مستمرة ودون اعتبار للمكانة الاجتماعية بل لعلها المهارة. في حلقة الدبكة الشعبية ثمة إيقاع جماعي منضبط لكنه يسمح للأفراد في إظهار قدراتهم الفنية متجاوزين المستوى العام لكنهم منسجمون معه.
وفي ضوء ذلك كله، وبإضافة أن الدبكة جزء جوهري من الوعي الشعبي، فإن ما يثير السخط ألا تكون الدبكة خصوصاً والحركة عموماً جزءا أساسيا من منهجيات التعليم في بلادنا. ولعلها تشكل مدخلًا مهمًا أيضًا لمساهمة في تغير شكل التعليم ضمن مفهوم الفنون الأدائية والبصرية في التعليم، وتحديداً في سياق تحرري حيث تغدو أدوات التعليم وظروفه هي سياقات وعي وهوية وتحرر، بدلا من الاكتفاء بالتعامل معها كنشاط لا منهجي أحياناً، ومادة احتفالية في المناسبات والمسابقات المدرسية حينًا آخر
بالعودة إلى مطلع أغنية في الحركة بركة، فأن فهم الحياة يكون بالحركة والاستمرارية، فالناس ليسوا شجراً ولا أسماكًا، والخيال ليس فكرة تحتاج إلى تفسير وتحليل بقدر ما هي رياح تحتاجُ إلى طواحين تعجنها وتحركها وتعيد رميها لتحمل شكلاً ومعنى آخر. وفي الدبكة و"الحركة" إجمالًا ثمة مجالات واسعه للتأويل والتفكير والتحليل والتعليم والتعلم، وهي تحتاج إلى تجريب واختبار وتأمل.
هذه القيم لم تأت من الغيب، ولم تسقط من غيمة مارقة، بقدر ما هي مرتبطة ونابعة بشكل عضوي من تجارب أعضاء الفرقة بمختلف أبعادها الاجتماعية والسياسية والوطنية والحياتية من ناحية ومن واقع الشعب الفلسطيني.
ولهذه القيم الكثير من الأطر المداخل، غير أننا نستطيع تكثيفها بتعبير "تعلم الحياة"، بحيث يعبر الناشئون فيها مسارًا من التجارب الاجتماعية في التعرف على زملائهم وعلى فهم المكان كمساحة، ليرافق ذلك الاستماع للموسيقى وكيفية التناسق الحركي معها لضبط الإيقاع، فالتشكيل الذي يعني الحركة مع المجموعة في المساحة على وقع الإيقاع. ثم الفهم والإحساس لما يتم تقديمه من حركة لها معنى، ومعنى له فكرة، وفكرة لها قصد، وقصد له غاية، يتشكل كل ذلك في رقصة ويتناغم مع خيالاتها
تتدحرج عجلة الوعي بقصدٍ أو دون بين المجموعة المؤدية داخل الفرقة أو في صالات تدريب الدبكة حيث يتم استحضار المهارات السابقة وعكسها في الحياة؛ في المشي في الشارع، أو العمل ضمن فريق أو الشعور بالمجموعة أو التعرف على أناسٍ جدد أو عبر طرائق في ارسال الرسائل واستقبالها، أو في فهم الحالة العامة والتعامل معها.
لقد مكنتني الدبكة بصورة خاصة والرقص بصفة عامة من التعامل مع الحياة باعتبارها فيلمًا طويلًا لدي القدرة في التحكم فيه، وكأنه برنامج "مونتاج" الأفلام؛ حيث أستطيع تسريع المشهد أو إبطاءه، تكثيف الألوان في مشهد هنا أو تحويلها إلى الأبيض والأسود في مشهد آخر هناك، تقريب الوجوه أحيانًا أو إبعادها. بمعنى أن أكون ضابطًا لإيقاعي مع الحياة، أو بمعنى آخر؛ التحكم بالزمن.
ففي حلقة الدبكة ثمة تسارع وتباطؤ وسكون. في الحلقة مجموعة مختلفة من الناس تقترب حينًا وتتباعد حينًا آخر فيها توزيع للسلطة والمهام؛ متفاهم ومتفق عليه، كأن عقدًا اجتماعيًا يتشكل مسبقًا؛ فثمة "لويح" يقود الحركة لفترة معينة ثم يحل محله زميل آخر في تبادلية مستمرة ودون اعتبار للمكانة الاجتماعية بل لعلها المهارة. في حلقة الدبكة الشعبية ثمة إيقاع جماعي منضبط لكنه يسمح للأفراد في إظهار قدراتهم الفنية متجاوزين المستوى العام لكنهم منسجمون معه.
وفي ضوء ذلك كله، وبإضافة أن الدبكة جزء جوهري من الوعي الشعبي، فإن ما يثير السخط ألا تكون الدبكة خصوصاً والحركة عموماً جزءا أساسيا من منهجيات التعليم في بلادنا. ولعلها تشكل مدخلًا مهمًا أيضًا لمساهمة في تغير شكل التعليم ضمن مفهوم الفنون الأدائية والبصرية في التعليم، وتحديداً في سياق تحرري حيث تغدو أدوات التعليم وظروفه هي سياقات وعي وهوية وتحرر، بدلا من الاكتفاء بالتعامل معها كنشاط لا منهجي أحياناً، ومادة احتفالية في المناسبات والمسابقات المدرسية حينًا آخر
بالعودة إلى مطلع أغنية في الحركة بركة، فأن فهم الحياة يكون بالحركة والاستمرارية، فالناس ليسوا شجراً ولا أسماكًا، والخيال ليس فكرة تحتاج إلى تفسير وتحليل بقدر ما هي رياح تحتاجُ إلى طواحين تعجنها وتحركها وتعيد رميها لتحمل شكلاً ومعنى آخر. وفي الدبكة و"الحركة" إجمالًا ثمة مجالات واسعه للتأويل والتفكير والتحليل والتعليم والتعلم، وهي تحتاج إلى تجريب واختبار وتأمل.
***